فهرس الكتاب

الصفحة 652 من 866

الحكمة الثالثة: إن كل نقاش أبدع نقشا حسنا لطيفا فإنه يبالغ في [1] صون نقشه عن أربعة أشياء عن التراب فإن الغبار يبطل رونق النقش ويزيل طراوته وعن الماء فإنه يغسله ويزيله وعن الرياح فإنها تكدر النفوس ويبطلها وعن النار فإنها تحرق وتفني ثم إنه سبحانه وتعالى عكس هذه القضية فأظهر نقش خلقة البشر من التراب فقال تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ [2] وأظهر نقش خلقة الدواب في الماء فقال تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ [3] وأظهر خلقة عيسى عليه السلام من الهواء فقال تعالى:

فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا [4] وأيضا جعل النفخة سببا لتخليق الحيوانات فقال تعالى: وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي [5] وخلق الجان من النار فقال جل وعز: وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ [6] وذلك يدل على أن ما يفعله لا يشبه فعل أحد من الفاعلين.

الحكمة الرابعة: أنه سبحانه وتعالى خلق القلب أولا وذلك لأنه سرير الأرواح ومدرسة المعرفة وخانقات الصفوة ومنزل المحبة والنور الفائض من خطاب:"فاعلم أنه لا إله إلا الله"لا يتجلى إلا فيه والكرامة الحاصلة من تشريف"يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ"لا تظهر إلا فيه والاستقرار المتولد من وعد"أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ"لا يحصل إلا فيه فلما كان هو المقصود في الثواب والعقاب والوعد والوعيد والترغيب والترهيب والتحذير لا جرم كان هو المخلوق الأول

(1) في زيادة على الأصل.

(2) آل عمران: (59) .

(3) النور: (45) .

(4) الأنبياء: (91) .

(5) المائدة: (110) .

(6) الحجر: (27) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت