فهرس الكتاب
ثم إنه خلق الدماغ فوقه والكبد تحته لأن الدماغ منشأ الفكر الذي هو الواسطة بين القلب وبين العالم العلوي والكبد منشأ الغذاء وهي الواسطة بين القلب وبين العالم السفلي فجعل العلوي في العلو والسفلي في السفل تنبيها على هذه الدرجات.
الحكمة الخامسة: أن القلب سلطان البدن وليست سلطنته بسبب كبر الجثة وإلا لوجب أن يكون الفخذ أولى بهذه السلطنة ولا بسبب الحدة وإلا لكانت المرارة أولى بها ولا بسبب القوة وإلا لكانت العظام أولى بها ولا بسبب كثرة الذخيرة وإلا لكانت المعدة أولى بها ولما تطلب جميع هذه الوجوه ولم تبق للقلب خاصية سوى كونه معدنا للعلم والحكمة والفهم والإدراك علمنا أنه إنما كان سلطان البدن لكونه موصوفا بالعلم والحكمة وكانت سلطته بالعلم والحكمة والفهم والإدراك فعلمنا أنه من كان عالما حكيما كان سلطانا بالحق ونائبا للحق بالخلق وكل من كان محروما عن العلم والحكمة كانت سلطنته في التلبيس بمثابة إبليس.
الحكمة السادسة: أن الروح سلطان الجسد وسرير الروح هو القلب لا جرم كان القلب هو أول الأعضاء الحادثة في البدن فنقول: لما كان الروح سلطانا محتاجا إلى سرير جسماني كان ذلك السرير أولى الأعضاء المكونة في البدن فالحق سبحانه وتعالى سلطان الموجودات فلو كان محتاجا إلى سرير جسماني وهو العرش [1] أول المحدثات وأول المكونات لكنه ليس الأمر كذلك بنص القرآن والخبر أما نص القرآن فهو قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ [2] فبيّن تعالى أن الاستواء على العرش متأخر عن تخليق السماوات والأرض. وأما الخبر فإنه روى: أنه عليه أفضل السلام قال: أول ما خلق الله القلم، وفي رواية ثانية أول
(1) لوجب على هذا القياس أن يكون العرش.
(2) الأعراف: (54) .