فهرس الكتاب
الظاهرة الجلية التي تصل إليها فهم كل أحد فنقول: انظر إلى النطفة وهي قطرة قذرة من الماء لو تركت ساعة لتضربها الهواء بطلت وفسدت كيف أخرجها رب الأرباب من بين الصلب والترائب، وذلك لأنه سبحانه أوقع الألفة والمحبة في قلوبهم ثم قادهم بسلسلة الشهوة والمحبة إلى الاجتماع ثم استخرج النطفة من الرجل بحركة الوقاع واستخرج دم الحيض من أعماق العروق وجمعها في الرحم ثم خلق المولود من النطفة وسقاه بماء الحيض حتى نما وربا، وكيف جعل النطفة وهي بيضاء مشرقة علقة حمراء ثم جعلها مضغة ثم قسم أجزاء المضغة إلى العظام والأعصاب والعروق والأوتار واللحم في داخل الرحم في الظلمات الثلاث، ولو انكشف الغطاء والغشاء لكنت ترى التخطيط والتصوير يظهر في النطفة شيئا فشيئا ولا ترى المصور ولا قلمه ولا آلته فهل رأيت مصورا وفاعلا لا يمشي إليه مصوره ولا تلاقيه فسبحانه ما أعظم شأنه ولنشرها هنا إلى قليل من تشريح الأعضاء أما الرأس فتأمل أنه سبحانه وتعالى دوّرها وشقّ سمعها وبصرها وأنفها وفمها وأنه تعالى ركب كرة الرأس في بطن الأمن من ثلاثة وعشرين عظما وخلق تلك العظام على كيفية مختلفة فكيف تولدت العظام الصلبة من النطفة السخيفة الرقيقة؟ ثم إنه سبحانه قدر كل واحد من تلك العظام بشكل مخصوص ومقدار مخصوص ووضع مخصوص ولو وقع بخلاف ذلك لبطلت المنفعة وفات الغرض ثم ركب بعضا مع بعض بحيث يحصل من مجموعهما كرة الرأس على هذه الخلقة المخصوصة.
واعلم أنه تعالى إنما يظهر الاحتياط في عظم الرأس لأجل أن الدماغ أشرف أعضاء الإنسان فإنه محل الفكر والعقل ولما كان في غاية الشرف فإنه صانه بسبعة [1] أنواع من الصوانات وذلك لأن الدماغ يحيط [2] به غشاء رقيق يقال له
(1) (صانه بسبعة) في (أ) (صنع) .
(2) يحيط في (أ) محيط.