فهرس الكتاب
أنه لولا الحفظ ما كان يحصل التفهيم والتفهيم بالكلام فكانت هذه المصلحة تختل وتبطل.
الثاني: أن الإنسان إذا رأى شيئا ثم غاب عنه ثم رآه مرة أخرى عرف أن هذا الذي يراه الآن هو الذي رآه قبل ذلك وذلك لأنه لما رآه في المرة الأولى ثم غاب عنه بقيت صورته في الحفظ فلما رآه مرة ثانية صارت هذه الصورة المحسوسة ثانيا منطبقة على تلك الصورة المحفوظة في الخيال فيحصل الشعور بأن هذا الذي يراه الآن هو الذي رآه قبل ذلك فلولا القوة الحافظة لما حصل هذا المعنى ولو لم يحصل هذا المعنى لاختل نظام العالم فما كان يعرف الزوج زوجته ولا السيد عبده واحتاج كل أحد إلى أن يعرف حال كل شخص في كل أمر يراه.
الثالث: أن خاصية الإنسان أن يتوسل بالفكر إلى أن يصير المجهول معلوما والفكر عبارة عن تركيب الأشياء الحاضرة في الذهن ليتوصل بتركيبها حضور مجهول لمعلوم ولا معنى لحضور الأشياء في الأذهان إلا حضور مثلها وأشباهها في القوة الحافظة فالقوة الحافظة في دماغك جارية مجرى اللوح المحفوظ في عالم السماوات وبقاء صور المحسوسات في خيالك نسبة بقاء كتبة أحوال المخلوقات في اللوح المحفوظ فثبت بما ذكرنا أن القوة الحافظة من أعظم نعم الله على الإنسان. ثم فيه أمر آخر عجيب لا يعرفه إلا الله سبحانه وذلك لأن هذه الصور الذي نتخيلها ونشاهدها حال ما نشاهدها وحال ما نستحضرها إما أنه يقال إنها موجودة أو يقال إنها معدومة والقول بكونها معدومة باطل لأنّا نميز بين كل واحد منها وبين غيرها بل كأنّا نشاهدها وننظر إليها حاضرا [1] في خيالنا فإنّا إذا نظرنا إلى قرص الشمس ثم غمضنا العين فإنّا نشاهد قرص الشمس
(1) (حاضرا) في الأصل (حاك) .