فهرس الكتاب
وأما البطن الأوسط من الدماغ فهو محل الفكر ومعنى الفكر أن تركب القوة المفكرة شيئين من الأشياء الحاضرة عند قوة الحافظة فيصير ذلك الترتيب سببا لاستجلال صورة جديدة عند العقل. وجميع التركيبات التي أحدثها أهل الدنيا في بناء المساكن واستخراج الحرف والصناعات فهو من أعمال القوة المفكرة، فالقوة المفكرة تستخرج تلك الصور بهذا الطريق ثم إن القوة العملية تنقل تلك الصور من الأفكار إلى الخارج، ومن المعلوم أنه لولا الفكر لما اهتدى الإنسان إلى تحصيل المصالح ودفع الآفات وهما أعظم النعم بخلق القوة المفكرة، ومن أراد أن يعرف قدر هذه النعمة فلينظر إلى البهائم والمجانين. واعلم أن (القوة) [1] المفكرة كالعلم والقوة الحافظة كاللوح فإن القوة المفكرة إذا استنبطت صورة جديدة ارتسمت تلك الصورة في لوح الخيال فكانت المثبت هو الفكرة والقابل هو الخيال فكانت المفكرة قلما والحافظة لوحا.
واعلم أنّا وإن كنا بالضرورة أنّا نتفكر إلا إننا إذا أردنا أن نعلم هذا الفكر ما هو صعب علينا ذلك فإن هذا الذي طلبناه هل نعلمه أم لا فإن علمناه فكيف نطلب العلم به وإن لم نعلمه فكيف يمكنا طلب شيء لم يخطر ذلك الشيء ببالنا.
وأما البطن الآخر من الدماغ فهو التذكر ومعنى التذكر أن من حضر في ذهنه أمر من الأمور ثم غاب عنه فإنه يستوحيه بعد غيبوبته وهذه الحالة حاصلة للإنسان فإنه ليس كل ما رآه الإنسان وسمعه في مدة عمره فإنه يكون حاضرا في خياله بل أكثر هذه الصور في أكثر الأحوال غير حاضرة في الذهن لكنها وإن كانت غائبة إلا أن الإنسان متى أراد استحضارها قدر عليه فهذا الاستحضار هو التفكر ولا شك أن خلق هذه القوة نعمة عظيمة من الله على الإنسان
(1) (القوة المفكرة) في الأصل (قوة المفكرة) .