فهرس الكتاب
مصالح البدن، أما مصالح الروح فلأنه أودع فيه اللسان الناطق المعرب لما في القلب.
واعلم أنه سبحانه وتعالى خلق القلب أميرا للبدن ومعدنا للحرارة الغريزية فاحتاج القلب إلى تعديل تلك الحرارة القوية بالنسيم البارد المعتدل فاذا استدخل الهواء البارد ووصل إلى القلب واعتدلت حرارة القلب به وبقي ذاك هناك ساعة تسخن واحترق فاحتاج القلب إلى إخراج تلك النفس فجعل المدبر الحكيم الفاطر العليم إخراج ذلك النفس سببا لحدوث الصوت ثم جعل في الحنجرة وفي اللسان وفي الحنك وفي الشفتين مقاطع ومخارج لحروف مختلفة فحصلت الحروف بهذا الطريق ثم جعل تلك الحروف عند تأليفها وتركيبها مؤدية للمعاني فانظر إلى كمال الحكمة فإن المقصود الأصلي من النفس هو إيصال النسيم البارد إلى القلب، فإما إخراج النفس فهو جار مجرى دفع الفضلة الفاسدة. ثم أنه سبحانه وتعالى صرف هذا المعنى إلى رعاية مصلحة أخرى وهو أنه جعلها مادة الحروف والأصوات والكلام ثم أنه سبحانه وتعالى خلق الحناجر مختلفة الأشكال في الضيق والخشونة والملاسة ثم اختلفت الأصوات لأجل اختلاف هذه الأحوال فكما لا تتشابه صورتان البتة فكذلك لا يتشابه صوتان البتة وكما يحصل الامتياز بين الأشخاص بالقوة الباصرة فكذلك يحصل الامتياز بينهم بسبب القوة السامعة فيحصل في الظلمة هذا التمييز ويحصل للأعمى هذا التمييز، وأما ما يتعلق بتحصيل مصالح البدن فهو أن أعظم الأشياء المحتاج إليها في مصلحة البدن هو الأكل وهو سبحانه وتعالى أعد في الفم أسباب الأكل وهو من وجوه:
النوع [1] الأول: أنه تعالى خلق في الفم الأسنان ولها منافع:
(1) النوع زيادة يقتضيها السياق.