فهرس الكتاب

الصفحة 683 من 866

ما أعجب أمر الشطرنج فإن تلك الرقعة على غاية صغرها تشتمل على أنواع لا نهاية لها من اللعب فقال عمر رضي اللَّه عنه بل هاهنا ما هو أعجب منه وأغرب وذلك لأن رقعة الوجه أصغر بكثير من رقعة الشطرنج ثم إن كل عضو من أعضاء الوجه لا يتغير عن مكانه، فالعينان أبدا يكونان في ذلك الموضع المعين وكذلك الأنف والأذن والفم. ثم مع ذلك فإنه يحصل فيه التفاوت فإنك لا ترى شخصين في الشرق والغرب يتشابهان من كل الوجوه فسبحانه ما أعظم شأنه.

واعلم أن التفاوت في الصورة ظاهر قوي فيما بين الآدميين بعدة.

فالتفاوت حاصل بين صور الحيوانات الأهلية، إلا أن التفاوت في ما بين الآدميين أكثر.

وأما الحيوانات البرية فالتفاوت فيما بين صورها قليل جدا والسبب فيه أنّا ذكرنا أنه لولا اختلاف صور الناس لما ميّز الزوج عن الأجنبي والسيد عن غير السيد ومالك المتاع والدار عن غيره فكان ذلك يفضي إلى الفساد العظيم فلهذا المعنى اقتضت الحكمة الإلهية إظهار التفاوت في صور الآدميين.

وأما الحيوانات الأهلية فقد يتعلق بعض الأعراض بأعيانها من بعض الوجوه إلا أن اشتداد الحاجة إلى معرفتها بأعيانها وأشخاصها ليس كالحاجة إلى معرفة الناس وأعيانها. فلا جرم أظهر الله المخالفة بينها في الصورة إلا أن تلك المحافظة أقلّ من المخالفة بين أشخاص الناس. وأما الحيوانات البرية فلا تتعلق مصلحة البتة بمعرفة أعيانها وأشخاصها فلا جرم لم تظهر المخالفة بين صورها وأشكالها إلا في القليل فسبحان من له في كل شيء حكمة مرعية وأسرار مخفية.

الثالث: قال تعالى مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ [1] فإن

(1) الرحمن: (19) - (20) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت