فهرس الكتاب

الصفحة 689 من 866

اللَّهَ قِيامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِهِمْ [1] ثم إنه انظم إلى هذا الذكر التفكر [2] فقال:

وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [3] فما أعظم هذه الحالة وأجلّ هذه الدرجة وقد تذكر الحكمة على وجه آخر فيقال النبات رؤوسها في عمق الأرض وأرجلها صاعدة في السماء منكبشة كأنها وضعت قمة رأسها على الأرض وأما الإنسان فإنه على العكس من ذلك فإن رجلاه على الأرض ورأسه في السماء والحيوانات متوسطة في هاتين الحالتين لا منكوسة كالنبات ولا منتصبة كالإنسان والسبب فيه عند أهل الطبائع أن النبات جسماني محض فلا جرم كانت رؤوسها نحو الأرض والإنسان روحاني محض بالنسبة إلى سكان الأرض فلا جرم كانت رؤوسها تلي: عالم الروحانيات وهو عالم السماوات ومساكن الملائكة، وأما الحيوانات فهي متوسطة في هاتين الحالتين في الجسمانية والروحانية فلا جرم كانت متوسطة بين الانتصاب والنكس.

واعلم أن هذا الكلام يوهم أن السبب لهذه الأحوال إنما هو الطبع والخاصية إلا أنه سبحانه وتعالى أبطل هذا الوهم وأزال هذا الخيال فيقال أيها الإنسان ما دام رأسك منتصبا كنت في مقام التكبر وفي متابعة إبليس حيث قال تعالى: أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ [4] فاذا وضعت رأسك على الأرض فهناك تقرب من الحضرة الصمدية كما قال تعالى: وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ [5] لتعرف أن هذا ليس بالطبع بل بفضل الله وبرحمته.

الوجه الثالث: أن بدنك يشبه الدار الكاملة التي بنيت وأكملت بيوتها

(1) آل عمران: (191) .

(2) (التفكر) زيادة يقتضيها السياق.

(3) آل عمران: (191) .

(4) البقرة: (34) .

(5) العلق: (19) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت