الدماغ ويصوّت بالحنجرة ويستنشق الهواء بالخيشوم ويمضغ بالأسنان ويبتلع بالمريء، والمقصود من جميع هذه الأحوال أن يكون في حضرة الربوبية مشتغلا بالعبودية كما قال تعالى: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلّا لِيَعْبُدُونِ [1] ثم إنه تعالى فوض تدبير هذه المملكة إلى ثلاثة من الرؤساء:
أولها: الشهوة ومسكنها في الكبد وجريانها مع الدم في العروق الساكتة، ولهذا المعنى قال عليه السلام:"إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم" [2] وذلك لأن القوة الشهوانية لا تسري إلا من الكبد مع الدم في العروق.
وثانيها: القوة العصبية ومسكنها القلب وهي تجري في العروق المتحركة إلى جميع أطراف البدن.
وثالثها: القوة النفسانية المدبرة ومسكنها الدماغ وهي تجري في الأعصاب إلى جميع أطراف البدن، وهؤلاء الرؤساء الثلاثة ليسوا أشياء متباينة مستقلة بأنفسها بل هي الفروع المتفرعة من أصل واحد وكالأغصان النباتة من شجرة واحدة وكالمنبع الذي تنشق منه ثلاثة أنها كالأب الذي يتولد منه أولاد ثلاثة وكرجل يعمل أعمالا ثلاثة فتسمى بثلاثة أسماء الحداد والصانع والبناء مثلا، فهؤلاء الثلاثة كملوك الأصراف الذين ولّاهم الملك الأعظم فالشهوة تشبه أفعالها أفعال النساء والصبيان والحمقى من الناس إذا لم يؤدبهم آباؤهم وأزواجهم، والغضب تشبه أفعاله أفعال العيارين والقتالين إذا لم يؤدبهم الملوك، والقوة المدبرة تشبه أفعالها أفعال الحكماء والفقهاء وأهل الخير والصلاح
(1) الذاريات: (56) .
(2) الحديث رواه البخاري في الأحكام (21) وبدء الخلق (11) وأبو داود في الصوم (78) وابن ماجة في الصيام (65) والدارمي في الرقاق (66) وأحمد بن حنبل في المسند (156) : (3) ، (285) (حلبي) .