الوجه الرابع: كأنه سبحانه وتعالى يقول عبدي أردت أن أخرجك إلى الدنيا وأعرضك على والديك وعلى أهل الدنيا فلما أردت ذلك زينتك كما تزين الأم المشفقة ولدها حين تريد عرضه على الناس فجعلت جبهتك كالسطح المتخذ من الفضة النقية لتكون محل السجود وأظهرت في رقعة وجهك أنواع النقوش العجيبة وأعطيتك الحاجب المقوس والعين الملونة والخد المورد وجعلت وجهك كالقمر ثم جعلت العينين للاهتداء والأذنين للإصغاء والفم للاغتذاء والمعدة للهضم والكبد للإتمام والعروق لتكون كالأنهار والمنافع لدفع الفضول واليدين للأعمال والرجلين للمشي وإنما فعلت بك كل هذه الأعمال لتكون عند خروجك إلى الدنيا مبرءا من النقصان فاذا برأتك عن النقصان عندما أخرجتك إلى الدنيا مع إنها سجن ودار محنة وموضع ممر لا مسكن مقر فاعرف كيف تكون عنايتي بك وبتحسين أحوالك إذا أخرجتك من القبر إلى محفل القيامة.
الوجه الخامس: أنه سبحانه وتعالى خلق اليدين آلة للطلب والرجلين آلة للهرب ثم إنه تعالى خلق اليد مركبة من أربع مفاصل محسوسة العضد والساعد والكف والأصابع فإن أراد الإنسان جعل هذه العظام الأربعة بمنزلة العظم الواحد قدر عليه فيمد اليد ويجعلها كالرمح وإن أراد أن يأخذ جسما مستديرا تحت إبطه جعل اليد كالدائرة المحيطة لذلك الشيء لأجل أنه حصل في اليد هذه المفاصل ثم إنه سبحانه وتعالى جعل الأصابع خمسا وقسم كل أصبع بثلاث أنامل ووضع الأربع في جانب والإبهام في جانب آخر وبهذا الترتيب صلحت اليد للأعمال الكثيرة فإن بسطها كان كالطبق يضع عليها ما يريد، وإن جمعها كانت آلة للضرب وإن ضمها ضما غير تام كانت مغرفة له وإن ضم أحدهما إلى الآخر صار المجموع كالقدح الكبير ثم خلق الأظفار على رؤوسها زينة للأنامل وعمادا لها من ورائها حتى تمكنه أن يلتقط بالأصابع الأشياء الدقيقة ولتمكنه أيضا أن يحك بدنه عند الحاجة. ثم تأمل في هذا المقام فإن الظفر الذي