قد وصف الله تعالى به الملائكة فقال: والصافات صفّا، وترى الملائكة حافين من حول العرش، والملائكة أيضا وصفوا أنفسهم بهذا الوصف فقالوا:"وَإِنّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ""وَإِنّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ"وبالجملة فهذا يشعر بكون الصافين واقفين في موقف الهيبة ومقام العظمة مشتغلين بتسبيح جلال الله وتعظيم كبريائه على وجه الخشوع والخضوع.
وثالثها: قوله تعالى:"كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ"ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون المعنى كل من الطير قد علم صلاته وتسبيحه، وهذا قول جماعة من أصحاب الأخبار، وقال أبو ثابت: كنت جالسا عند أبي جعفر الباقر فقال لي: ما تدري ما تقول هذه العصافير عند طلوع الشمس وبعد طلوعها، فقلت: لا، فقال: إنها تقدس ربها وتسأله قوت يومها.
وثانيها: أن يكون معنى الآية كل مسبح قد علم صلاته وتسبيحه. ويدل على صحة هذا التأويل قوله سبحانه"وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ".
وثالثها: أن تكون الهاء راجعة إلى الله. تقدير الآية كل مسبح ومصل قد علم صلاة الله التي كلفه إياها فهذا تأويل لفظ الآية والكلام الذي لا بد من البحث عنه في هذا المقام أنه هل يجوز أن تكون الطيور والبهائم عارفة بربها أم لا؟ فأكثر أرباب أهل الآثار والأخبار جوّزوا واحتجوا عليه بأن كون هذه الطيور عارفة بربها مشتغلة بتسبيح ربها أمر جائز في العقول والنصوص وردت بوقوعها فوجب الاعتراف بذلك، أما الجواز العقلي فيدل عليه وجهان: أحدهما الإجمال، والثاني التفصيل، أما الإجمال فهو أن حصول الفهم والعلم في ذوات هذه الحيوانات من جملة الممكنات والله تعالى قادر على كل الممكنات، فإذا لاحت المقدمات وجب القطع بهذا الجواز. أما التفصيل فهو أنّا نشاهد هذه الحيوانات أفعالا لا يصدر إلا من أفاضل العقلاء وذلك يدل على كونها عاقلة ومتى كان الأمر كذلك ثبت جواز كونها عارفة بربها ويبين ما ذكرنا وجوه: