حيث أنهم استبعدوا من الله ضرب المثل بالذباب والعنكبوت والبعوض وأمثالها.
أما الأول فباطل لأن ضرب الأمثال لتعريف المعاني أمر مستحسن في العرف ولأن أمثال العرف كثيرة مشهورة بالأشياء الحقيرة وأيضا كتاب كليلة ودمنة أكثره أمثال.
وأما في الشرع فلأنه ضربت الأمثال في الإنجيل بالأشياء الحقيرة قال يشبه ملكوت السماوات برجل أخذ حبة الخردل وهي أصغر الحبوب فزرعها في قريته فلما نبتت عظمت وصارت كأعظم شجرة من البقول وجاء طير السماء فعشعش في فروعها، فكذلك الهدى من دعا إليه ضاعف الله له أجره وعظمه وفيه نجاة من اهتدى. وقال أيضا لا يكونوا كالمنخل يخرج منه الدقيق الطيب ويمسك النخالة، كذلك أنتم تخرج الحكمة من أفواهكم وتبقون الغلّ في صدوركم وأيضا قال قلوبكم كالحصاة التي لا ينضجها النار ولا ينبتها الماء وقال لا تدخروا ذخائركم حيث السوس والأرضة فتفسدها ولا في البرية حيث السموم فتحرقها السموم وتسرقها اللصوص ولكن ادّخروا ذخائركم عند الله وقال أيضا الأرض مسجد ودار عليها لناسها. وهناك رزقها وهذا مما لا يعد ولا يحصى ومنه ما هو في جوف الحجر الأصم أو جوف العود من يأتيهن بلباسهن وأرزاقهن إلا الله أفلا تعقلون، وقال لا تذئروا الزنابير فتلدغنكم كذلك لا تخالطوا السفهاء.
فثبت أن الله تعالى ضرب الأمثال بهذه الأشياء الحقيرة، وأما إن ضرب الأمثال مستحسن في العقول فلأن من طبع الخيال حب المحاكاة والتشبيه فاذا ذكر المعنى وحده أدركه العقل وليس معه منازعة الخيال. ولا شك أن الثاني يكون أجمل، وأيضا فنحن نرى أن الإنسان يذكر معنى ولا يلوح كما يحب فاذا ذكر المثال لاتّضح وصار مبينا مكشوفا وإذا كان التمثيل يفيد زيادة البيان والوضوح كان ذكره مفيدا نافعا، وأما إن قيل إن موضع الشبهة للقوم هو أنهم استبعدوا أن يضرب الله بهذه الأشياء الحقيرة فاعلم أن هذا جهل لأنه تعالى هو