الذي خلق الكبير والصغير وحكمته في كل ما خلق وبرأ عام لأنه قد أحكم كل شيء وليس الصغير أسهل عليه من العظيم ولا العظيم أصعب عليه من الصغير، وإذا كان الكل بمنزلة واحدة كان ضرب المثل بالكل جائزا حسنا بل المعتبر ما يليق بالقصة.
فاذا كان اللائق بها ضرب المثل بالبعوض والذباب كان ضرب المثل فيها بالفيل والجمل غير جائز وهاهنا المقصود بقبح عبادة الأصنام فكان ضرب المثل فيه بالذباب والعنكبوت أولى وتدل عليه وجوه:
الأول: أنه تعالى خلق عباده ضعفاء فقال وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفًا [1] وقال اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ [2] فلا جرم ضرب لهم المثل بالأشياء الضعيفة لأن الجنس أقرب إلى الجنس. قال عليه السلام أمرت أن أكلم الناس على قدر عقولهم.
والثاني: فإن الله تعالى لم يستحي من خلقها ورزقها فالأولى أن لا يستحي من ذكرها فضرب المثل بها وكيف يستحي من ذكر شيء لو اجتمع الخلائق على أن يخلقوا مثله لم يقدروا عليه. قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ [3] .
الثالث: أن البعوضة تحن إذا جاعت فاذا مصت الدم كثيرا انشقت وماتت فهذا أشبه الإنسان على أنه إذا تم أمر بدا نقصه توقع زوالا إذا أقبل تم.
واعلم أن المفسرين اختلفوا في لفظ ما في قوله تعالى"مَثَلًا ما"قال
(1) النساء: (28) .
(2) الروم: (54) .
(3) الحج: (73) .