فَلا غالِبَ لَكُمْ [1] أليس أن نمرود كان أكبر ملوك بني آدم وأطغاهم وأعظمهم سلطانا وأشدهم [2] صولة ثم إن بعوضة طارت إلى دماغه فدخلت في أنفه حتى وصلت دماغه فكانت تؤذيه ويوقع الدغدغة في دماغه وكان أكثر الناس محبة له وذو شفقة عليه من يضرب على دماغه مائة صفعة بالشدة والقوة أو أكثر حتى يسكن تلك الدغدغة بل إن كنت لم تشاهد نمرود ولا أحواله فاعتبر نفسك فإنه إذا وقعت بعوضة على رأسك أو وجهك فربما صفعت رأسك ولطمت خدك تريد [3] أن تصيبها ثم إنها تطير ولا تصيبها منك آفة البتة ويبقى ضرب اللطم والصفع على خدك ورأسك.
الثالث: أن الصانع البشري يقدر أن يصور فيلا من الخشب أو من الحديد ولا يقدر أحد من الصناع أن يصور بعوضة من الخشب ولا من الحديد، فعلى هذا تكوين البعوضة أشرف من الفيل من هذا الوجه وذلك لأن الفيل والبعوضة يشتركان في دلالة أجزاء كل واحد منهما على قدرة الصانع وحكمته ثم إن كل ما حصل في الفيل من وجوه الدلائل حاصل في البعوضة وقد حصلت وجوه من الدلائل في البعوض لم يكن حاصلا في الفيل من هذا الوجه وتأمل إنك إذا اعتبرت الأعضاء الظاهرة فالبعوض أزيد فيها من الفيل وأن اعتبرت الاستيلاء والقدرة فالبعوض مستول على الفيل والفيل لا قدرة له على البعوض وإن اعتبرت الدلالة على قدرة الله تعالى وحكمته فالبعوض أزيد من الفيل بالوجه الذي ذكرنا ولنعلم أنه لا عبرة بالصور والظواهر وإنما العبرة بإعانة الله تعالى وتأييده
(1) آل عمران: (160) .
(2) وأشدهم فراغ في المخطوط.
(3) تريد غير واضحة في المخطوط.