الرابع: البعوضة وكمال معرفتها بمصالحها أمّا حس البصر فلأن البعوض إذا جلس على عضو من أعضاء الإنسان فإنه لا يزال يدير خرطومه من جانب إلى جانب حتى يجد الموضع المثقب من بدن الإنسان لأن جلد الإنسان فيه مسام كثيرة يخرج منها النفس والعرق فهو برأس خرطومه يطلب تلك الثقبة فاذا وجدها غوّص خرطومه فيها فمن الذي هداه لمقصوده من جذب الدم ومن الذي عرفه أن بدن الإنسان فيه منافذ ومسام وأن إدخال الخرطوم في تلك المنافذ الموجودة أسهل من إحداث منفذ في الجلد وأمّا حس السمع فلأن البعوضة في الليلة الظلماء إذا وقعت على عضو الإنسان فاذا حاول الإنسان تقريب اليد منها ليضربها أحست بحركة اليد وطارت ولو بالغ في إخفاء حركة اليد فإنها لا بدّ وأن تحس بتلك الحركة فمن الذي أعطاه هذه القوة السامعة بهذا الكمال.
ثم هاهنا شيء آخر وهو أنها علمت أن مص الدم من جلد الإنسان جناية عليه وإيذاء له فالبعوضة لعلمها بهذا المعنى بقيت مستعدة للفرار والحذر فانظر إلى أنه سبحانه وتعالى كيف هداه إلى تحصيل الغذاء الموافق له ثم أودع في خياله أنه لا بدّ من الحذر فكلما فكر العاقل اللبيب علم أن مثل هذا التدبير لا يتأتى إلا من الإله الذي خلق فسوى والحكيم الذي قدر فهدى.
الخامس: تأمل في صغر جثة البعوض ولا شك أن خرطومه أصغر من خرطوم الفيل بكثير ثم إن ذلك الخرطوم مع غاية صغره مجوّف ولولا ذلك التجويف لما قدر على امتصاص الدم فانظر إلى ذلك الخرطوم مع كونه مجوفا كيف يكون غاية دقته ثم تأمل إنها مع غاية دقتها كيف قوتها وشدتها فإنها تغوّص ذلك الخرطوم في جلدة الجاموس والفيل على شدته وثخانته ويستخرج الدم منه كما يضرب الرجل أصبعه في الخبيص.
السادس: أنه سبحانه وتعالى خلق في خرطوم البعوض غصنا كثيرة كما في خرطوم الفيل فتارة يمدها ويطولها وذلك عندما يغوص الخرطوم في