فهرس الكتاب
الذبابة أشرف وأعلى وأرفع درجة من أولئك المنافقين فصارت الذبابة دالة على قدرة الله وحكمته ووحدانيته ودالة على طهارة عائشة فصارت على حقارتها مستجمعة للدلالة على صحة أصول الإسلام.
الوجه الثاني: أنه تعالى أظهر بخلق الذبابة قبائح الكفار لأنه إذا وضعت مضغة من المرقة الحارة تبادرت الذبابة إليها والإنسان يذبّها عن تلك المرقة وتموت فيها وهذا يشبه طريقة الكفار، فإن الأنبياء عليهم السلام يذّبونهم عن نار جهنم بأقصى ما يقدرون ثم إنهم يلقون أنفسهم في نار جهنم إلا أن عاقبة الذباب أحسن من عاقبة الكفار لأن الذبابة لما ماتت تخلصت من الآلام والكافر لما مات بقي في العذاب أبد الآباد؛ قال تعالى أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا [1] .
وأما فضائح الفساق فلأن في الذبابة حساسة عظيمة ولا يميز بين الطيب والخبيث فتارة تقع على السكر وأخرى على القاذورات فكذا الفاسق قد وضعت له مائدة الجنة وأغدق له جميع النعم الطيبة فهو تارة يقدم على تلك المائدة الطيبة وهي الطاعات والعبادات وأخرى يجلس على مائدة المعاصي والمنكرات وهي من جنس القاذورات والنجاسات فمن أراد أن يصون نفسه عن حساسة الذباب وجب أن لا يدور حول الخبائث والمنكرات.
الوجه الثالث: أنه تعالى أظهر بخلق الذباب عجز الجبابرة، حكي عن سعيد بن جبير أنه توارى عن الحجاج وكان مع ذلك لا يترك الجماعة فقيل له إيّاك الخروج من الدار فإن عليك من الحجاج عيونا؛ قال فكيف أتخلف عن الجماعة والمؤذن ينادي بحي على الفلاح ثم خرج فأخذه أعوان الحجاج في طريق المسجد وأتوا به إلى الحجاج فقال يا ابن جبير ما الحكمة في خلق
(1) نوح: (25) .