فهرس الكتاب
وكان يتأذى لكثرة ما كان يذّب عنه وهو يعاوده فقال إنما خلق الله الذباب ليذلّ به الجبابرة وذلك أنه يقع على النجاسات ثم يقع على وجوه الجبابرة فيظهر بذلك ذلّهم حيث عجزوا عن دفع أضعف المخلوقات وأحقرها عن أنفسهم.
الوجه الرابع: قال أهل الحكمة إن في الذباب منفعة عظيمة من ثلاثة أوجه وذلك لأن الذباب لا يظهر إلا في مواضع العفونة والأماكن المستقذرة ثم أنه سبحانه يخلق من بعض أجزاء تلك العفونات ذات الذباب وجعل بقية تلك العفونات غذاءا لها ثم إنها لكثرة طيرانها يحرك الهواء وتحريك الهواء سبب لإزالة العفونات عن الهواء، من هذه الأوجه الثلاثة فالذباب إذا طارت وجلست على وجه الإنسان وأذنه فذلك في الحقيقة نعم عظيمة في حق الإنسان لولا وجود طيرانه لاستولت العفونات على الهواء وتأدىّ إلى حصول المضار العظيمة، فكما أن الصبي يتأذى من الفصد والحجامة والعاقل يعلم أنه من أعظم وجوه الإنعام في حق ذلك الصبي، فكذا وقوع الذبابة على وجه الإنسان وإن تأذى منه الجاهل إلا أن العاقل يعلم أنه من النعم العظيمة في حقه من حيث أنه سبب لإزالة العفونات عن الهواء الذي هو مادة الحياة. فإن قيل خالق العفونات هو الله سبحانه فكيف ينبغي أن لا يخلقه حتى لا يحتاج في دفعها إلى خلق الذباب، قلنا هذا السؤال غير مختص بالذباب فإذا قلنا أنه سبحانه خلق الخبز والماء والفواكه لنلتذ بأكلها فنقول للسائل خالق اللذات هو الله سبحانه فكيف ينبغي أن لا يخلقها ابتدءا حتى لا نحتاج إلى الماء والخبز ولما كان هذا ردا على كل القرآن علمنا سقوطه. ثم التحقيق أن الدنيا دار الأسباب فربط الله كل شيء بشيء حتى أنه كما يظهر قدرته بإيجاد الأشياء فكذلك يظهر حكمته بجعل الأشياء أسبابا لسائر الأشياء.
الوجه الخامس: في أمثال العرب أجرأ من الذباب وأشبه من الذباب،