فهرس الكتاب

الصفحة 783 من 866

أما شدة جرأته فظاهر لأن الإنسان كلما دفعه عاد إليه وقيل إنما سمي الذباب ذبابا لأنه كلما ذبّ آب. والحكمة في وصفه بالجرأة أنه لما كان المقصود من خلقته إفناء العفونات تارة باغتذائها وتارة بتحريك الهواء بسبب الطيران وجب كونها موصوفة بالجرأة حتى إنها متى ذبت لا تمتنع عن الحركة فتحصل هذا المقصود وكذا طينتها ولجاجتها من الأمور المعينة على هذا المقصود وأما كون بعضها شبيها بالبعض ففيه حكمة عجيبة وذلك لأنّا بيّنا أنه لو حصلت المشابهة بين الأشخاص الإنسانية اختلت مصالح العالم فإنّ على هذا التقدير ما كان يميز زوج هذه المرأة عن غيره وما كان يميز مالك هذا الدار عن غيره في الشكل وذلك يفضي إلى وقوع المفاسد العظيمة في العالم فلأجل رعاية هذه المصالح ميّز الله تعالى كل إنسان عن غيره في الشكل والصورة والصوت.

وأما الحيوانات الأهلية فهي غير مكلفة فما كانت مصالحها يختل عند حصول هذه المشابهة في الصورة والخلقة إلا أن الإنسان ربما ينتفع بفرد معين منها ولم ينتفع بفرد آخر منها مثل إن كان هذا الفرس أشدّ ركضا وأشد عدوا من سائر الأفراس فلأجل هذا المعنى أظهر الله تعالى المخالفة بين صور الحيوان إلا أن المخالفة هاهنا أقل من المخالفة التي بصور الإنسان وأما الحيوانات البرية فإن حاجة الإنسان إليها قليلة وانتفاعه بواحد منها دون غيره نادر جدا فلا جرم كانت المخالفة بين باقي الصور والأشكال أقل مخالفة بين صور الحيوانات الأهلية.

وأما هذه الحيوانات الخسيسة التي لا تتعلق حاجة الإنسان بها البتة فلم تحصل المخالفة بين صورها البتة فصارت المشابهة بحيث لا يمكن تمييز بعضها عن البعض. وهذا الترتيب الذي ذكرناه في تخليق أبدان الحيوانات يدل على أنها بأسرها مخلوقة لمنفعة الإنسان حتى إنها صارت مخلوقة على وفق مصلحة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت