الإنسان، وإذا عرفت هذا فنقول أن امتياز الإنسان عن سائر الحيوانات ليس إلا لكونه عارفا بالله مشتغلا بطاعة الله فدل هذا على أن كل الحيوانات مخلوقة لهذه الحكمة، كما قال تعالى: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلّا لِيَعْبُدُونِ [1] ودلّ أيضا أن خالق هذه الحيوانات ليس هو الطبيعة ولا العلة ولا الخاصية بل المؤثر فيها هو قدرة الصانع المختار حتى أنه سبحانه وتعالى حيث تعلقت المصلحة بإظهار المخالفة بين الصور والأشكال أظهرها وحيث لم تتعلق المصلحة بإظهار هذه المخالفة لم يظهرها فسبحان من لم يخلّ ذرة من ذرات الأرض والسماء عن دلائل ظاهرة وبراهين باهرة على كمال قدرته وغاية حكمته.
الوجه السادس: في عجائب خلقة الذباب أنّا بيّنا أن كثرة طيرانها من الأمور المطلوبة في الحكمة من حيث أن طيرانها سبب لزوال العفونة عن الهواء فنقول أن كثرة طيرانها في العفونات تصير سببا لوقوع تلك العفونات عن أجنحتها ومتى اجتمعت تلك العفونات على أجنحتها ثقلت وعجزت عن الطيران فدبّر الخالق الحكيم المدبر الرحيم أن أقدر الذبابة على أن ينظف جناحيها برجليها عن كلّ ما التصق بها من العفونات ثم كما إنها تنظف جناحيها برجليها فكذا في مقدمة بدنها تنظف بهما عينيها وذلك لأن العين لا يكمل الانتفاع بها إلا إذا كانت صافية صقيلة الأجفان، والحيوانات الكبيرة كذلك ينظف سطح الدقة في كل أوان عن أنواع البخار والغبار فتبقى صافية أبدا فسبحان من خلق كل شيء على أحسن الوجوه وهدى كل شيء إلى رعاية مصلحته إلى أقصى الوجوه.
الوجه السابع: في عجائب خلقة الذباب قوله عليه السلام"إذا وقع"
(1) الذاريات: (56) .