الخامس: من عجائب أحوالها أنها تتخذ تحت الأرض منازل وتملأها الحبوب والذخائر قوتا للشتاء ثم تجعل بيوتها متعوجا عن البعض لئلا يجري إليها ماء المطر فربما اتخذت بيتا فوق بيت لئلا يسيل إليها ماء المطر ثم إنها تقطع الحبة نصفين خوفا من أن يصل إليها الماء فتنبت فكذا نفس الشعير والباقلاء والعدس والكزبرة تكسرها أرباعا خوفا من أن ينبت وإذا ابتل من تلك الحبوب شيء أخرجته إلى الشمس أيام الصحو ليجف لأجل أن لا ينبت وإذا أخرجت من جحرها تذهب يمنة يوما ويوما آخر يسرة ثم إنسها في الذهاب والمجيء كأنها قوافل لا ينحرف عن الطريق ثم إذا وجدت واحدة منها شيئا لا تقدر على حملها أخذت منها قدرا ورجعت وأخبرت الباقين بذلك وربما اجتمع على الشيء الواحد منها عدد منها يحملونه ويقلبونه ويذهبون به إلى الجحرة ويتحملون العناء والشدة فيه وإذا علمت بأن واحدة توانت في الحمل وتكاسلت في الإعانة اجتمعت على قتلها ورمت بها عبرة بغيرها.
قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي اللَّه عنه: انظر إلى النملة في صغر جسمها ولطافة هيئتها كيف دبّت على أرضها وضنت على رزقها وتنقل الحبة إلى جحرها وبعد في مستقرها تجمع في حرها لبردها وردؤها لصورها [1] مكفول برزقها من رزقه لوقتها لا يحرمها المنّان ولا يغفلها الديّان وتولى الصفاء اليابس والحجر الطامس.
وأما الأرضة فقد قال في سورة سبأ في قصة سليمان عليه السلام فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ [2] فقيل أنه علي
(1) كذا في المخطوط.
(2) سبأ: (14) .