المسلمين في هذا العصر كادوا ينسلخون من دينهم جملة، وأوشكت الصلة أن تنقطع بينهم وبين خالقهم أو هي انقطعت بالكامل وإلا لو كانت متينة ومتصلة في قلوبهم لملأتها بالإيمان وحالت بينهم وبين الخوف وتوقع الهزيمة من جيرانهم وذلك لقوله تعالى: إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ [1] .
ولكن ما سجله التاريخ يقرر أن أقدامهم لهم تثبت، وقلوبهم لم تطمئن، واستجاروا من الرمضاء بالنار.
وما حدث في مصر حدث نظيره في الشام يقول ابن الأثير:
(لقد كان بوادي"اليتم"من أعمال بعلبك أصحاب مذاهب مختلفة، وقد آلت الرياسة فيهم إلى رجل اسمه"المزدقاني"علا شأنه وكثر أتباعه فراسل الفرنج ليسلم إليهم مدينة دمشق ويسلموا إليه مدينة صور، واستقر الأمر بينهم على ذلك، وتقرر بينهم الميعاد، وقرر"المزدقاني"مع الإسماعيلية أن يحتاطوا لذلك اليوم(بأن) يقفوا بأبواب الجوامع فلا يمكنوا أحدا من الخروج منه ليحئ الفرنج ويملكوا البلاد، فلما بلغ ذلك التدبير صاحب دمشق استدعى"المزدقاني"اليه، ولما حضر، خلا به وقتله، وعلق رأسه على باب القلعة ونادى مناديه في المدينة بقتل كافة الباطنية.
فعل المنشقون على دينهم وإخوانهم ذلك، وحسبوا أن عزهم ونصرهم عند هؤلاء وتناسوا قول اللَّه تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي
(1) سورة محمد: (7) .