الحنان إن كان الحنين أمرا حاصلا عند الواله اللهفان، واحتج أصحاب هذا القول بوجوه.
أحدها. أنه تعالى قال: «يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ» [1] فأثبت بهذا كونه تعالى محبا لعباده، وكون عباده محبين له، والوله معناه المحبة، فكان اشتقاق لفظ الإله من كل واحد من الوجهين جائزا، إلا أن اشتقاقه من محبة اللَّه تعالى لعباده أولى من اشتقاقه من أفعال الخلق؛ لأن محبة اللَّه صفة أزلية، ومحبة العباد أمر محدث، واشتقاق اسم اللَّه من صفته الأزلية أولى من اشتقاقه من الأفعال المحدثة للعباد.
وثانيها: أنه تعالى جعل أول كتابه قول «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» فإذا قلنا إن لفظ اللَّه دليل على كمال محبته لعباده فمن المعلوم أن لا معنى لمحبته إلا كونه رحيما بهم، موصلا أصناف نعمته إليهم، وكان لفظ اللَّه من جنس لفظ الرحمن الرحيم، فقولنا اللَّه دليل على الغاية القصوى في الرحمة، لأن الوله عبارة عن غاية المحبة، والرحمن كالمتوسط، والرحيم كالرتبة الأخيرة، فتكون هذه الألفاظ الثلاثة على هذا التقدير متجانسة.
وثالثها: أن على هذا التقدير تكون اللفظة الأولى من القرآن دليلا على كمال المحبة والرحمة من اللَّه تعالى في حق عباده، وذلك هو الأليق بلطفه وكرمه.
واعترضوا على هذا القول أيضا من وجوه: الأول أن هذا الوله ما كان حاصلا في الأزل فوجب أن لا يكون إلها في الأزل، والثاني: أن هذا الوله حاصل في حق الأمهات المولهة بأولادها، فوجب إطلاق اسم الإله عليهن، الثالث: يلزم أن يكون إفناء العالم، وإماتة الأحياء مبطلا لكونه تعالى إلها.
والجواب عن الأول: أنه يرجع حاصل هذا الوله في حق اللَّه تعالى إلى أنه مريد للخيرات بعباده، وهذه الإرادة أزلية، فزال السؤال.
(1) جزء من الآية (54) من سورة المائدة.