فهرس الكتاب

الصفحة 115 من 372

والجواب عن الثاني: أنا بينّا فيما تقدم أن رحمة اللَّه تعالى بعباده أكمل من رحمة الآباء والأمهات بالأولاد.

والجواب عن الثالث: أن كونه تعالى قابضا مذلا مميتا لا يمنع من كونه باسطا معزا محييا، فكذا هاهنا كونه مغنيا للعالم مميتا للخلائق لا يمنع من كونه حنانا ودودا رحيما.

الوجه الثالث: من الوجوه المفرعة على قولنا هذا: أن الاسم مشتق من الوله: أن الوله: عبارة عن المحبة الشديدة، والمحبة الشديدة يلزمها طرب شديد عند الوجدان والوصال، وخوف شديد عند الفقدان والانفصال، فهو تعالى مسمى باسم اللَّه لأن المؤمنين يحصل لهم البهجة والسرور عند معرفته، ويحصل لهم حزن شديد عند الحجاب والبعد، قال يحيى بن معاذ: إلهى كفى بى فخرا أن أكون لك عبدا، وكفى بى شرفا أن تكون لى ربا: وقيل: كان سبب زهد شقيق البلخى أنه رأى مملوكا يلعب ويمرح في زمان قحط، كان الناس محزونين فيه، فقال له شقيق: ما هذا النشاط الّذي فيك؟ أما ترى ما فيه الناس من الحزن والقحط فقال له المملوك وما عليّ من ذلك، ولمولاى قرية خالصة يدخل له منها ما يخرج فانتبه شقيق وقال: إن كان لمولاه قرية، ومولاه مخلوق فقير، فلا يهتم برزقه لهذا السبب، فكيف ينبغي أن يهتم المسلم لأجل الرزق، ومولاه أغنى الأغنياء.

واعلم أن من عرف اللَّه لا يعرى عن قبض وبسط، فإذا استغرق في عالم الجلال والعزة والاستغناء وقع في القبض والهيبة فيصير كالمعدوم الفانى، وإذا استغرق في عالم الجمال والرحمة والكرم وقع في البسط والفرح والسرور، فيصير فرحانا بربه، وهاتان الحالتان لازمتان لسالكى عالم التوحيد، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «إنه ليغان على قلبى» وكان يحيى عليه السلام الغالب عليه الحزن والقبض، وكان عيسى عليه السلام الغالب عليه الفرح والبسط، فتحا كما في هذه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت