الواقعة إلى حضرة رب العزة، فأوحى اللَّه إليهما «أن أقربكما إلى أحسنكما ظنا بى» واللَّه أعلم.
القول الثالث: في اشتقاق اسم اللَّه سبحانه وتعالى: أنه مأخوذ من لاه يلوه إذا احتجب.
واعلم أنه يصح أن يقال إنه تعالى يحتجب. ولا يصح إن يقال أنه محجوب، لأن الاحتجاب دليل على كمال القدرة، لأنه عبارة عن كونه تعالى قادرا على قهر العقول عن الوصول إلى كنه صمديته، وقادر على قهر الأبصار عن الانتهاء إلى جلال حضرته، أما المحجوب فيدل على العجز، لأنه هو الّذي صار مقهورا للغير، إذا عرفت هذا فنقول: إن الحق تعالى غير متناه في ذاته، وفي دوامه، وفي أزله، وفي أبده، وفي صفاته، وفي آلائه ونعمائه، والخلق موصوفون بالتناهى في ذاتهم وصفاتهم، وأفكارهم، وأقطارهم، والمتناهى لا يصل إلى غير المتناهى، فلا جرم كانت العقول مقهورة أبدا في أنوار صمديته والأفكار مضمحلة في بيداء إشراق عظمته، كما قال «وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ» [1] .
القول الرابع: أنه مشتق من لاه يلوه إذا ارتفع، والحق سبحانه وتعالى مرتفع لا بالمكان، فإن من كان ارتفاعه بالمكان؛ كان مكانه مساويا له في الارتفاع؛ بل التحقيق أن ذلك المكان يكون مرتفعا بذاته؛ والمتمكن يكون مرتفعا بسبب ارتفاع ذلك المكان؛ فيكون ذلك الارتفاع للمكان بالذات؛ وللمتمكن بالتبع وجل الحق عن أن يكون كذلك، بل الحق سبحانه وتعالى مرتفع عن المكان فلا يكون مكانيا، وعن الزمان فلا يكون زمانيا، فهو متعال عن مناسبة المحدثات ومشابهة الممكنات وتقدير الأوقات والساعات، وإحاطة الأحياز والجهات.
(1) جزء من الآية (18) من سورة الأنعام، (61) من الأنعام أيضا.