فهرس الكتاب

الصفحة 117 من 372

وسمعت أن الموفق باللَّه لما حج، وكان عنده جماعة من المنجمين قال لهم: إنكم تدعون استخراج الضمائر، وإنى أضمرت شيئا فاستخرجوه. وقال كل واحد منهم شيئا فكذبهم إلى أن قال أبو معشر البلخى: إنك أضمرت ذكر اللَّه سبحانه وتعالى: فقال صدقت، فأخبرنى كيف علمت ذلك؟ قال: لما أضمرت أخذت الارتفاع، فوجدت الرأس في وسط السماء والرأس بقطر لا يرى، ولكن يرى آثار سعادته، ووسط السماء أرفع موضع في الفلك، فعلمت أنك أضمرت شيئا لا يرى ذاته، ولكن يرى آثار كرمه، وجوده أرفع الموجودات، وما ذاك إلا للَّه سبحانه وتعالى.

القول الخامس: أنه مأخوذ من قولك ألهت بالمكان إذا أقمت فيه، قال الشاعر [1] :

ألهنا بدار ما تبين رسومها ... كأن بقاياها وشام على اليد

فهو تعالى إنما استحق هذا الاسم لدوام وجوده من الأزل إلى الأبد، وسيأتى الكلام في شرح معنى الأزل والأبد.

القول السادس: أنه مشتق من أله الرجل يأله إذا تحير، فالباري سبحانه وتعالى مسمى بهذا الاسم لأن العقول متحيرة في كنه جماله وجلاله.

واعلم أن الأرواح البشرية وإن كانت نورانية الجوهر إلا أنها احتبست في قعر ظلمات الأبدان الجسمانية مدة مديدة، وألفت هذه الظلمات، والأطباء يقولون: إن من بقى محبوسا مدة مديدة في السجن المظلم فإذا خرج من تلك الظلمات وفتح عينيه دفعة واحدة عمى، لأن نور عينيه ضعف في تلك الظلمة، فإذا فتح عينيه قهر نور الشمس ذلك النور الضعيف، فيعمى بل الطريق له أن يستعمل أولا أنواع الأكحال المقوية، وينظر أولا إلى الأنوار الضعيفة، ثم لا يزال

(1) هو امرؤ القيس بن عابس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت