فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 372

المسألة الثالثة: محل (إلا) اتفق النحويون على أن محل إلا في هذه الكلية محل غير، والتقدير لا إله غير اللَّه، وهو كقول الشاعر:

وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك الا الفرقدان

والمعنى كل أخ غير الفرقدين، فإنه يفارقه أخوه، وقال تعالى «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتا» [1] قالوا. التقدير غير اللَّه، والّذي يدل على صحة ما قلنا هذا، أنا لو حملنا إلا على الاستثناء لم يكن قولنا إلا اللَّه توحيدا محضا، لأنه يصير تقدير الكلام لا إله يستثنى عنهم اللَّه، فيكون هذا نفيا لآلهة مستثنى عنهم اللَّه ولا يكون نفيا لآلهة لا يستثنى عنهم اللَّه، بل عند من يقول بدليل الخطاب يكون إثباتا لذلك وهو كفر، فثبت أنه لو كانت كلمة إلا محمولة على الاستثناء لم يكن قولنا إلا اللَّه توحيدا محضا، ولما اجتمعت العقلاء على أنه يفيد التوحيد المحضر وجب حمل إلا على معنى غير حىّ يصير معنى الكلام لا إله غير اللَّه.

المسألة الرابعة: قال قوم من الأصلين: الاستثناء من النفى لا يكون إثباتا واحتجوا عليه بوجهين: الأول الاستثناء مأخوذ من ثنيت الشيء عن جهته إذا صرفته عنها، فإذا قلت لا عالم إلا زيد فهاهنا أمران، أحدهما: الحكم بهذا العدم، والثاني نفس هذا العدم؛ فقولك إلا زيدا يحتمل أن يكون عائدا إلى حكمك بهذا العدم، أو إلى نفس ذلك العدم، فإن كان الأول لم يلزم تحقق الثبوت، لأن بسبب الاستثناء زال الحكم بالعدم، فبقى المستثنى مسكونا عنه غير محكوم عليه بنفى ولا إثبات، وحينئذ لا يلزم الثبوت، وأما إن كان تأثير الاستثناء في صرف العدم ومنعه، فحينئذ يلزم تحقق الثبوت، لأن عند ارتفاع العدم وجب حصول الوجود ضرورة أنه لا واسطة بين النقيضين.

إذا ثبت هذا فنقول: عود الاستثناء إلى الحكم بالعدم أولى من عوده إلى

(1) جزء من الآية (22) من سوره الأنبياء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت