بدليل زائد ليس فيه مخالفة للدليل، أما ترك ما دل الدليل عليه فيكون مخالفا الدليل، فثبت بما ذكرنا أن الاستثناء من النفى لا يكون إثباتا.
إذا عرفت هذا فنقول قولنا لا إله إلا اللَّه تصريح بنفى سائر الإلهية، وليس فيه اعتراف بوجود اللَّه تعالى، وإذا كان كذلك وجب أن لا يكون مجرد هذا القول كافيا في صحة الإيمان، ومما يؤكد هذا الإشكال أنا قد دللنا على أن كلمة إلا هاهنا بمعنى غير، وإذا كان كذلك كان قولنا إلا اللَّه معناه غير اللَّه، فيصير المعنى نفى إله يغاير اللَّه، ولا يلزم من نفى ما يغاير الشيء إثبات ذلك الشيء وحينئذ يتوجه الإشكال المذكور.
والجواب من وجهين: الأول: أن إثبات الإله سبحانه كان متفقا عليه بين العقلاء، بدليل قوله «لَيَقُولُنَّ اللَّهُ» [1] فكان ذلك مفروغا عنه متفقا عليه، إلا أنهم كانوا يثبتون الشركاء والأنداد، فكان المقصود من هذه الكلمة نفى الأضداد والأنداد، فأما القول بإثبات الإله للعالم، فذاك من لوازم العقول.
الثاني: أن يقول هذه الكلمة وإن كانت لا تفيد الإثبات بأصل الوضع اللغوى إلا أنها تفيده بالوضع الشرعى.
المسألة الخامسة: اعلم أنه يجوز أن يقال لا رجل في الدار، وأن يقال لا رجل في الدار، أما على الوجه الأول فإنه يقتضي انتفاء جميع أفراد هذه الماهية، والدليل عليه أن قولنا لا رجل يقتضي نفى ماهية الرجل، ونفى الماهية يقتضي انتفاء كل فرد من أفراد الماهية، لأنه لو حصل فرد من أفرادها فقد حصلت ضرورة أنه متى حصل فرد من أفرادها فقد حصلت، أما قولنا لا رجل في الدار فهو قبض لقولنا رجل في الدار، ولكن قولنا رجل في الدار يفيد ثبوت رجل
(1) جزء من الآية (61) من سورة العنكبوت، (25) لقمان، (38) الزمر (87) الزخرف.