فهرس الكتاب

الصفحة 129 من 372

واحد، وقولنا لا رجل في الدار يوجب انتفاء رجل واحد، إلا أنا حملناه على عموم النفى لأنه لما لم يكن التعيين مذكورا لم يكن حمله على البعض أولى من حمله على الباقي، فوجب حمله على نفى الكل، فثبت أن قولنا لا رجل في الدار أقوى في عموم النفى من قولنا لا رجل في الدار، ولأجل كون كل واحد منهما يفيد عموم النفى قوى قوله تعالى: «لا رَيْبَ فِيهِ» [1] بالقراءتين، وكذا قوله: «فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ» [2] ولأجل أن البناء على الفتح أقوى في الدلالة على عموم النفى، اتفقوا عليه في قولنا لا إله إلا اللَّه.

المسألة السادسة: من الناس من قال تصور الاثبات مقدم على تصور النفى بدليل أن الواحد منا يمكنه أن يتصور الإثبات وإن لم يخطر بباله معنى العدم، ويمتنع عليه أن يتصور العدم إلا وقد تصور الإثبات أولا، وذلك لأن العدم المطلق غير معقول، بل العدم لا يعقل إلا إذا أضيف إلى موجود معين، فيقال:

عدم الدار، وعدم الغلام.

فثبت أن تصور الإثبات متقدم، وتصور النفى متأخر؛ إذا ثبت هذا فما السبب في أن جعل النفى الّذي هو فرع متقدما على الإثبات الّذي هو الأصل؟ وللجواب: في تقديم النفى على الإثبات في هذا أغراض.

الأول: أن نفى الربوبية عن غيره ثم إثباتها له آكد في الإثبات، كما أن للقائل إذا قال: ليس في البلد عالم غير فلان، فإنه آكد في باب المدح من قوله: فلان عالم البلد.

الثاني: أن لكل إنسان قلبا واحدا، وهو لا يتسع لشيئين دفعة واحدة، فبقدر ما يبقى مشغولا بأحد الشيئين يبقى محروما عن الشيء الثاني، فقوله لا إله

(1) جزء من الآية (2) من سورة البقرة.

(2) جزء من الآية (197) من سورة البقرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت