فهرس الكتاب
إخراج لكل ما سوى اللَّه عن القلب، حتى إذا صار خاليا عن كل ما سوى اللَّه، ثم حضر فيه سلطان إلا اللَّه أشرق نوره إشراقا تاما، وكمل لمعانيه فيه كمالا ظاهرا.
الثالث: أن النفى الحاصل بلا يجرى مجرى الطهارة، والإثبات الحاصل بإلا يجرى مجرى الصلاة، فكما أن الطهارة مقدمة على الصلاة، فكذا وجب تقديم لا على إلا ويجرى مجرى تقديم الاستعاذة على القراءة، وأيضا من أراد أن يحضر الملك في بيت وجب عليه أن يقدم تطهير البيت عن الأقذار؛ فكذا هاهنا.
ومن هذا قال المحققون: النصف الأول من هذه الكلمات تنظيف الأسرار، والثاني جلاء الأنوار عن حضرة الملك الجبار. النصف الأول فناء، والثاني بقاء.
الأول انفصال عما سوى الحق، والثاني اتصال بالحق، الأول إشارة إلى قوله:
«فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ» [1] والثاني إشارة إلى قوله: «قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ» [2] .
المسألة السابعة: المعرفة التامة للَّه: لقائل أن يقول: إن من عرف أن للعالم صانعا قادرا عالما موصوفا بجميع الصفات المعتبرة في الإلهية فقد عرف اللَّه معرفة تامة؛ ثم إن علمه بعدم الإله الثاني لا يزيد الإله كمالا في صفاته؛ لأن عدم غيره لا يكون صفة له، فضلا عن أن يكون من صفات كماله، فما السبب في أن العلم به لا يكفى في حصول السعادة، بل لا بد مع العلم بوجوده من العلم بعدم الشريك.
والجواب: أن بتقدير وجود الشريك لا يعلم العبد أنه عبد لهذا أو لذاك أو لهما جميعا، فحينئذ لا يكون خادما بكونه شاكرا لمولاه وخالقه، وأيضا لم يظهر افتقاره إليه، لأنه يقول إن كان لا يقبلني فلعله يقبلني شريكه، أما إذا عرف أنه لا إله للعالم إلا الواحد فحينئذ يكون مخلصا في عبوديته والافتقار إليه، ومخلصا في أنه لا ملجأ له إلا رحمته، ولا منجا له إلا كرمه وجوده.
(1) جزء من الآية (50) من سورة الذاريات.
(2) جزء من الآية (91) من سورة الأنعام.