المسألة الثامنة: متى يموت الانسان مؤمنا: المكلف إذا تمم النظر والاستدلال في معرفة اللَّه كما تمم هذه المقدمات، ولم يجد من الوقت ما أمكنه أن يقول لا إله إلا اللَّه فهاهنا لا شك أنه يكون مات مؤمنا، لأنه أدى ما وجب عليه، ولم يجد مهلة للتلفظ بهذه الكلمة، فأما إذا وجد مهلة في الوقت يمكنه أن يقول فيها لا إله إلا اللَّه فلم يقلها ثم مات، فهذا الشخص هل مات مؤمنا؟
من الناس من قال: إنه مات كافرا، لأن صحة الإيمان والنجاة متوقفة على التلفظ بهذه الكلمة عند القدرة عليها، والدليل عليه أن فرعون كان عارفا به بدليل قوله تعالى: «لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هاؤُلاءِ إِلا رَبُّ السَّماتِ» [1] فمن قرأ بنصب الباء كان ذلك حكما من موسى عليه السلام بأنه عارف باللَّه، فثبت أنه كان عارفا بربه، ثم إنه كان كافرا، فثبت أن المعرفة لا تكفى في حصول الإيمان إلا إذا انضم إليها الإقرار.
ومنهم من قال: إنه مؤمن؛ لأنه حصل له العرفان التام، والدليل عليه قوله عليه الصلاة والسلام: «يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان» وهذا الشخص قلبه مملوء من الإيمان، فكيف لا يخرج من النار؟ بلى أنه يكون فاسقا بترك الذكر باللسان.
المسألة التاسعة: كيفية التلفظ بالشهادة: من الناس من قال تطويل المدة في كلمة لا من قولنا لا إله إلا اللَّه مندوب إليه مستحسن، لأن المكلف في زمان هذا التمديد يستحضر في ذهنه جميع الأضداد والأنداد، وينفيها، ثم بعد ذلك يعقب هذه الكلمة بقوله إلا اللَّه، فيكون ذلك أقرب إلى الإخلاص، ومنهم من قال: تركه التمديد أولى، لأنه ربما مات في زمن التلفظ بلا قبل الانتقال إلى كلمة إله.
والّذي عندي أن المتلفظ بهذه الكلمة إن كان يتلفظ بها لينتقل من الكفر إلى الإيمان فترك التمديد أولى، حتى يحصل الانتقال إلى الإيمان على أسرع الوجوه،
(1) جزء من الآية (102) من سورة الإسراء.