واعلم أن الإقرار باللسان له درجة واحدة، وأما الاعتقاد بالقلب فله درجات مختلفة بحسب قوة الاعتقاد وضعفه؛ ودوامه وعدم دوامه؛ وكثرة تلك الاعتقادات وقلتها: فإن المقلد ربما كان مقلدا في أن اللَّه تعالى واحد فقط، وربما كان مقلدا في ذلك؛ وفي أكثر المسائل المعتبرة في صحة الدين؛ واعلم أنه كلما كان وقوف الإنسان على هذه المطالب أكثر؛ كان تشوش أمر التقليد عليه أكثر.
وأما المرتبة الثالثة: وهى تقوية الاعتقاد بالدلائل الإقناعية: فمراتب الخلق فيها غير مضبوطة.
وأما المرتبة الرابعة: وهى الترقى من الدلائل الإقناعية إلى الدلائل القطعية؛ فالأشخاص الذين يصلون إلى هذه الدرجة يكونون في غاية القلة، ونهاية الندرة:
لأن ذلك يتوقف على معرفة شرائط البراهين واستعمالها في المطالب، وذلك في غاية القوة.
وأما المرتبة الخامسة: وهم أصحاب المشاهدات، فنسبتهم في القلة إلى أصحاب البراهين القطعية كنسبة أصحاب البراهين القطعية إلى سائر الخلق.
واعلم أن عوالم المكاشفات لا نهاية لها، لأنها عبارة عن سفر العقل في مقامات جلال اللَّه، ومدارج عظمته، ومنازل آثار كبريائه، وقدسه، ولما كان لا نهاية لهذه المقامات، فكذلك لا نهاية للسفر في تلك المقامات.
واعلم أن أرباب الحقيقة رتبوا لأصحاب المكاشفات مراتب ست، ثلاث منها لأصحاب البدايات، وثلاث لأصحاب النهايات، أما التى لأصحاب البدايات فهى: اللوائح، واللوامع، والطوالع؛ وذلك لأن أرباب البدايات لا يدوم لهم ضياء شموس المعارف. ولكن الحق يؤتى أرزاق قلوبهم وأرواحهم في كل حين.
كما قال تعالى «وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا» [1] كلما أظلمت عليهم سماء القلوب
(1) جزء من الآية (62) من سورة مريم.