فهرس الكتاب
واعلم: أنه لا شك أن الرحمن الرحيم كل واحد منهما مشتق من الرحمة، وإن لم يكن أحدهما أشد مبالغة من الآخر، كانا لفظين مترادفين من جميع الوجوه من غير تفاوت في المعنى، وذلك بعيد، فوجب القطع بكون أحدهما أكثر مبالغة من الآخر، ثم اختلفوا فقال الأكثرون: الرحمن أكثر مبالغة من الرحيم، واحتجوا عليه بوجوه:
الأول: أنه من المشهور أنهم كانوا يقولون. يا رحمن الدنيا، ورحيم الآخرة.
ومعلوم أن رحمته في الدنيا شاملة للمؤمن والكافر، والصالح والطالح، وذلك بإيصال الرزق، وخلق الصحة، ودفع الأسقام، والمعايب، والدواهى، وأما رحمته في الآخرة فمختصة بالمؤمنين، فدل هذا على أن الرحمن أكثر مبالغة من الرحيم، لأن الرحمة الناشئة من اسم الرحمن عامة في حق الولي، والعدو، والصديق، والزنديق، والرحمة الناشئة من اسم الرحيم مختصة بالمؤمنين.
ولهذا قال جعفر الصادق رضي اللَّه عنه: اسم الرحمن خاص بالحق، عام في الأثر، لأن رحمته تصل إلى البر والفاجر، واسم الرحيم عام في الاسم، خاص في الأثر، لأن اسم الرحيم قد يقع على غير اللَّه تعالى، فهو من هذا الوجه عام إلا أنه خاص في الأثر؛ لأن هذه الرحمة مختصة بالمؤمنين.
الثاني: أن بناء وزن الرحمن للمبالغة، يقال، رجل غضبان، وشبعان، وأنا ملآن، ورجل عريان، وهو الّذي لا ثوب له أصلا، فإن كان له ثوب خلق فقد يقال: إنه عار، ولا يقال عريان، وأما الرحيم فهو فعيل، والفعيل قد يكون بمعنى الفاعل، كالسميع بمعنى السامع وبمعنى المفعول، كالقتيل بمعنى المقتول، وليس في واحد منهما كبير مبالغة.
الثالث: أن الرحمن والرحيم كلمتان من جنس واحد، وحروف الرحمن أكثر وكل ما كان كذلك كان أكثر مبالغة، فوجب كون الرحمن أكثر مبالغة من الرحيم.