فهرس الكتاب

الصفحة 167 من 372

الرابع: روى أبو سعيد أن عيسى عليه السلام قال: الرحمن رحمن الدنيا، والرحيم رحيم الآخرة. وهذا يدل على أن الرحمن أكثر مبالغة.

فإن قيل: فإذا كان الرحمن أكثر مبالغة من الرحيم، فكيف قدم على ذكر الرحيم؟

قلنا: فيه وجوه: الأول: أن اسم الرحمن اسم انفرد به الباري تعالى، كما أن اسم اللَّه انفرد به، فذكر أولا اسم اللَّه، ثم ذكر عقيبه اسم الرحمن؛ لما حصل بينهما من هذه المجانسة.

وثانيها: أن الرحمن وإن كان يفيد الرحمة العامة للكل إلا أن الرحيم يفيد الرحمة الخاصة بالمؤمنين، فكان الرحمن كالأصل، والرحيم كالزيادة في التشريف، والأصل يجب تقديمه على الزيادة، كقوله: «لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ» [1] .

وثالثها: أن نظم البسملة على هذا الترتيب أحسن، وموافقتها لآخر آيات الفاتحة أشد.

وقال آخرون: الرحيم أشد مبالغة في الرحمة، واحتجوا بوجوه:

الأول: أن اسم الرحمن كما يفيد معنى الرحمة فيفيد مع ذلك نوعا من الهيبة، والقهر، والكبرياء، والدليل عليه قوله: «الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وَكانَ يَوْمًا عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيرًا» [2] فلو لا إشعار لفظ الرحمن بشيء من الهيبة والقهر، وإلا لما كان ذكر الوعيد عقيبه مناسبا، فذكر في البسملة اسم اللَّه، وهو يدل على غاية القهر، والجبرية، والكبرياء، ثم ذكر عقيبه الرحمن، وهو كالمتوسط في القهر، واللطف، وختم بالرحيم، وهو الدال على كمال الرحمة.

الثاني: أن ذكر الرحيم بعد ذكر الرحمن يدل على أن الرحيم أكثر مبالغة.

(1) جزء من الآية (26) من سورة يونس.

(2) الآية (26) من سورة الفرقان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت