وقال موسى عليه السلام لما قتل القبطى: «رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي» [1] أظهر الزلة، ثم طلب المغفرة، وأيضا أظهر زلة داود عليه السلام ثم قال «فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ» [2] وأيضا قال لمحمد صلى اللَّه عليه وسلم: «لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ» [3] ، وقال: «وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ» [4] .
فهل هنا أظهر ذكر الذنب، ثم قال: إنه غفره، وكان من دعوات نبينا محمد صلى اللَّه عليه وسلم «اللهم اغفر لى مغفرة ظاهرة وباطنة، واغفر ذنوب السر والعلانية» .
فثبت بهذه الوجوه أنه لا يجوز تفسير المغفرة بالستر، وإذا ثبت هذا فنقول مغفرة اللَّه تعالى مفسرة بالعفو والصفح على سبيل المجاز، من حيث إن المستور والزائل يشتركان في عدم الظهور، والمشاركة في الوصف أحد أسباب حسن التجاوز، والعفو عبارة عن إسقاط العقوبة وتركها، قال أصحابنا فعلى هذا الغافر من صفات الفعل، وهذا أيضا فيه نظر لأنه عبارة عن ترك الفعل، لا عن الفعل.
وأما الغفور فهو أبلغ من الغافر، لأن هذا البناء للمبالغة كالصفوح والضحوك والقتول، والغفار أبلغ من الغفور، لأنه وضع للتكثير، ومعناه أنه يغفر الذنب بعد الذنب أبدا.
واعلم أن الذين حملوا هذا اللفظ على الستر فسروا ذلك بالدعاء المشهور، وهو قولهم يا من أظهر الجميل، وستر القبيح، قالوا وهذا الستر إما في الدنيا أو في الآخرة، أما الدنيا ففى أحوال النفس والبدن، أما النفس فهو أنه سبحانه جعل مستقر الخواطر المذمومة، والإرادات القبيحة في العبد ستر قلبه، حتى لا يطلع
(1) جزء من الآية (16) من سورة القصص.
(2) جزء من الآية (25) من سورة ص.
(3) جزء من الآية (2) من سورة الفتح.
(4) جزء من الآية (55) من سورة غافر.