الثالثة: قال «يا عِبادِيَ الَّذِينَ» أضافهم إلى نفسه، فعيبهم إنما ظهر منهم، وزينتهم إنما ظهرت من المولى، وما يظهر من المولى أقوى مما يظهر منهم.
الرابعة: قال «أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ» يعنى إنهم إنما قصروا في حق أنفسهم لا في حقى، فكفاهم ضررا أن قصروا في حق أنفسهم، فلا ينبغي أن يلحق بصاحب المعصية مصيبة أخرى.
الخامسة: قال في آخر الآية، «إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» يعنى لا ينبغي أن يظنوا أنه إنما شرع المغفرة والرحمة في حقكم، بل هذه عادته، فإنه هو الغفور الرحيم، ونظيره قوله «اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفّارًا» [1] لم يقل إنه غفار، بل قال (كان غفارا) من الأزل إلى الأبد، موصوفا بصفة الغفارية، فلا ينبغي أن تتعجبوا من أن يغفر ذنوبكم.
وأما قوله «نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» [2] فقد روى: أن بعض الصحابة كانوا يضحكون، فمر الرسول عليه الصلاة والسلام بهم، فقال: أتضحكون والنار بين أيديكم؟ فحزنوا جدا، ثم رجع القهقرى، فقال: جاءنى جبريل عليه السلام وقال: يقول اللَّه تعالى: لم تقنط عبادى من رحمتى؟ «نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» ، وفيه لطائف:
إحداها: قال عليّ عليه السلام: حروف القرآن ثلاثمائة ألف، وخمسة وعشرون ألفا، وثمانية وسبعون حرفا فلو لم يكن في القرآن بشارة لأمة محمد صلى اللَّه عليه وسلم سوى هذا الحرف الواحد وهو الياء، في قوله (عبادى) لكفتهم، فكما أنه ليس بين الدال والياء في قوله عبادى حجاب، فكذا ليس بين المؤمن العاصى وبين رحمة اللَّه حجاب.
(1) جزء من الآية (10) من سورة نوح.
(2) الآية (49) من سورة الحجر.