واعلم أن سبب اضطراب العقلاء في إثبات الصفات ونفيها مقدمتان وقفنا في العقول على سبيل التعارض. إحداهما: أن الوحدة كمال والكثرة نقصان فصارت هذه المقدمة داعية إلى المبالغة في التوحيد حتى انتهى الأمر إلى نفى الصفات. والمقدمة الأخرى: أن الموجود الّذي يكون قادرا على جميع المقدورات عالما بجميع المعلومات حيا حكيما سميعا بصيرا لا شك أنه أكمل من الموجود الّذي لا يكون قادرا ولا عالما ولا حيا بل يكون شيئا لا شعور له بشيء مما صدر عنه ولا قدرة له على الفعل والترك، فصارت هذه المقدمة داعية للعقول إلى إثبات هذه الصفات، ولما كانت ماهيات هذه الصفات مختلفة متغايرة وجب الاعتراف بالكثرة في صفات اللَّه تعالى، ثم وقعت العقول في الحيرة والدهشة بسبب تعارض هاتين المقدمتين، ومقصود كل واحد من الفريقين إثبات الكمال للَّه تعالى والجلال ونفى النقصان عنه، فالنفاة حاولوا إثبات الكمال والوحدانية، والمثبتون حاولوا إثبات الكمال في الإلهية، والأذكياء من العقلاء احتالوا في وجه التوفيق بين هاتين المقدمتين وحاصل ما ذكروه طرق أربع:
الطريقة الأولى: طريقة الإلهين من الفلاسفة في النظر إلى صفات اللَّه
وهى أن صفات اللَّه تعالى نوعان سلبية وهى المسماة في القرآن بالجلال، وإضافية وهى المسماة في القرآن بالإكرام وإليه الإشارة بقوله «ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ» [1] ثم قالوا أما كثرة السلوب فلا توجب كثرة في الذات، بدليل أن كل ماهية فردة بسيطة، فلا بد وأن يصدق عليها سلب كل ما عداها عنها، وذلك يدل على أن كثرة السلوب لا تقدح في وحدة الذات، وأما كثرة الإضافات نهى أيضا لا توجب كثرة في الذات بدليل أن أبعد الأشياء عن الكثرة هو
(1) جزء من الآية (78) من سورة الرحمن.