فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 372

الجواب من وجوه الأول: أنه سبحانه وتعالى خصص كل صلاة بعدد وإن كنا لا نطلع على حكمة تلك المقادير، فكذا هنا وجب على المسلم أن يعتقد في هذه التقديرات حكما بالغة وإن كان عقله لا يصل إلى تفاصيلها، ولنذكر من هذا الباب أمثلة:

الأول: رأينا السنة في صلاة الصبح مقدمة على الفريضة وفي صلاة العشاء مؤخرة عن الفريضة، فالجاهل ربما يعجب من هذا والمقلد يقبل ذلك على سبيل التقليد، والعارف يعرف بالبرهان أن هذا هو الترتيب اللائق بالحكمة وذلك لأن النوم مانع من أداء العبادة على سبيل الكمال، فالإنسان إذا قام من منامه واشتغل بأداء الصلاة بقى معه شيء من آثار النوم، ثم إنها بعد ذلك تزول بالكلية فلهذا قدمت السنة على الفرض، حتى إن وقع خلل بسبب بقية النوم كان ذلك الخلل واقعا في السنة لا في الفريضة. أما في العشاء فالرجل يكون قد تعب في النهار كله فيغلبه النوم وتلك الغلبة لا تزال تتزايد عليه ساعة بعد ساعة، فهاهنا قدمت الفريضة على السنة حتى إذا وقع خلل بسبب النوم يقع في السنة لا في الفريضة

المثال الثاني: قال اللَّه سبحانه وتعالى في صفة الزبانية «عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ» [1] والكفار يعجبون من هذا العدد المخصوص، والعلماء ذكروا فيه وجوها. أحدها:

أن اليوم بليلته أربع وعشرون ساعة خمس منها مشغولة بالصلوات الخمس بقيت تسع عشرة ساعة خلت عن ذكر اللَّه فلا جرم كان عدد الزبانية بعدد هذه الساعات.

وثانيها: أن أبواب جهنم سبعة قال اللَّه تعالى «لَها سَبْعَةُ أَبْابٍ» [2] ثم قال العلماء ستة منها للكفار وواحد للفساق، وأركان الإيمان ثلاثة: إقرار واعتقاد وعمل، بالكفار تركوا هذه الثلاثة فلهم بسبب تركهم لهذه الثلاثة الأركان، ثلاثة من الزبانية على كل واحد من الأبواب الستة، فكان المجموع ثمانية عشر وأما الباب الواحد للفساق فهم قد أتوا بالإقرار والاعتقاد وما أتوا بالعمل فلم تكن زبانيتهم

(1) الآية (30) من سورة المدثر.

(2) جزء من الآية (44) من سورة الحجر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت