الجواب: أن كثيرا من العلماء سلموا أن هذه الرواية المشتملة على ذكر الأسماء ليست في غاية القوة، إلا أن هذه الأسماء والصفات لما كان أكثرها مما نطق به القرآن والأحاديث الصحيحة ودل العقل على ثبوت مدلولاتها بأسرها في حق اللَّه تعالى كان الأولى قبول هذا الخبر. وأما رعاية الترتيب فقد ذكرنا أن للَّه تعالى في أمثال هذه الأمور حكما خفية لا اطلاع لنا عليها فوجب التسليم والتصديق.
السؤال السادس: هو ما معنى الإحصاء في قوله «من أحصاها» .
والجواب: أن هذا لفظ يحتمل أربعة أوجه. أحدها: أن الإحصاء هنا بمعنى العد يريد أنه يعدها فيدعو ربه بها لقوله سبحانه وتعالى «أَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا» [1] واعترض أبو زيد البلخى على هذا الوجه فقال: إن اللَّه سبحانه وتعالى جعل استحقاق الجنة مشروطا ببذل النفس والمال قال «إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ» [2] وقال في آية أخرى «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا» [3] فالجنة لا تستحق إلا ببذل النفس والمال، فكيف يجوز الفوز بها بسبب إحصاء ألفاظ يعدها الإنسان عدا في أقل زمان وأقصر مدة؟!
الوجه الثاني: أن يحمل لفظ الإحصاء على الإحصاء باللسان مقرونا بالإحصاء بالعقل فإذا وصف العبد ربه بأنه الملك استحضر في عقله أقسام ملك اللَّه تعالى وملكوته وإذا قال القدوس استحضر في عقلة كونه مقدسا في ذاته وصفاته وأفعاله وأحكامه وأسمائه عن كل ما لا ينبغي، وعلى هذا فقس إحصاء سائر الأسماء.
الوجه الثالث في تفسير الإحصاء: أن يكون بمعنى الطاقة قال تعالى «عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ» [4] أي لن تطبقوه، وقال عليه الصلاة والسلام «استقيموا
(1) جزء من الآية (27) من سورة الجن.
(2) جزء من الآية (111) من سورة التوبة.
(3) الآية (107) من سورة الكهف.
(4) جزء من الآية (20) من سورة المزمل.