وذلك أن النفس لها مطلوب مراد بضروة فطرتها، وكونها مريدة من لوازم ذاتها، لا يتصور أن تكون نفس الإنسان غير مريدة.
ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «أصدق الأسماء الحارث وهمام» ، وهي حيوان، وكل حيوان متحرك بالإرادة، فلا بد لها من حركة إرادية، وإذا كان كذلك فلا بد لكل مريد من مراد، والمراد إما أن يكون مرادًا لنفسه أو لغيره، والمراد لغيره لا بد أن ينتهي إلى مراد لنفسه، فيمتنع أن تكون جميع المرادات مرادات لغيرها، فإن هذا تسلسل في العلل الغائبة، وهو ممتنع، كامتناع التسلسل في العلل الفاعلية، بل أولى.
وإذا كان لا بد للإنسان من مراد لنفسه، فهذا هو الإله الذي يألهه القلب.
فإذًا لا بد لكل عبد من إله، فعلم أن العبد مفطور على انه يحب إلهه.
ومن الممتنع أن يكون مفطورًا على أنه يأله غير الله لوجوده:
منها: أن هذا خلاف الواقع.
ومنها: أنه ليس هذا المخلوق، بأن يكون إلهًا لكل الخلق، بأولى من هذا.
ومنها: أن المشركين لم يتفقوا على إله واحد، بل عبد كل قوم ما يستحسنوه.
ومنها: أن ذلك المخلوق إن كان ميتًا فالحي أكمل من الميت، فيمتنع أن يكون الناس مفطورين على عبادة ميت، وإن كان حيًا فهو أيضًا مريد، فله إله يألهه، فلو كان هذا يأله هذا، وهذا يأله هذا، لزم الدور الممتنع، أو التسلسل الممتنع، فلا بد لهم كلهم من إله يألهونه.