فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ قَالَ: فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ قَالَ: أَجْتَهِدُ رَايِي، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. وَعَنْ عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ لِشُرَيْحٍ: مَا اسْتَبَانَ لَك مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَا تَسْأَلْ عَنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَبِنْ لَك فِي كِتَابِ اللَّهِ فَمِنْ السُّنَّةِ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْهُ فِي السُّنَّةِ فَاجْتَهِدْ رَايَك.
24 -إذَا اُسْتُفْتِيَ فِي مِثْلِ مَا سَبَقَ لَهُ أَنْ أَفْتَى فِيهِ، فَإِنْ كَانَ مُسْتَحْضِرًا لِفُتْيَاهُ وَلِدَلِيلِهَا فَلَا حَاجَةَ إلَى إعَادَةِ النَّظَرِ، لِأَنَّهُ تَحْصِيلُ حَاصِلٍ، وَلِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ النَّظَرِ أَنْ تَكُونَ فُتْيَاهُ عَنْ عِلْمٍ بِمَا يُفْتِي بِهِ، مَا لَمْ يَظُنَّ أَنَّهُ لَوْ أَعَادَ النَّظَرَ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ. وَإِنْ ذَكَرَ الْفَتْوَى الْأُولَى وَلَمْ يَذْكُرْ دَلِيلَهَا، وَلَا طَرَأَ مَا يَجِبُ رُجُوعُهُ، فَقِيلَ: لَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِذَلِكَ، وَالْأَصَحُّ: وُجُوبُ تَجْدِيدِ النَّظَرِ.
التَّخَيُّرُ فِي الْفَتْوَى عِنْدَ التَّعَارُضِ:
25 -إذَا تَعَارَضَتْ الْأَدِلَّةُ فِي نَظَرِ الْمُفْتِي الْمُجْتَهِدِ، أَوْ تَعَارَضَتْ الْأَقْوَالُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي نَظَرِ الْمُقَلِّدِ، فَقَدْ ذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إلَى أَنَّ الْمُفْتِيَ لَيْسَ مُخَيَّرًا يَاخُذُ بِمَا شَاءَ وَيَتْرُكُ مَا شَاءَ، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يُرَجِّحَ بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ التَّرْجِيحِ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى مَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي عِلْمِ أُصُولِ الْفِقْهِ. وَفِي تَفْصِيلِ ذَلِكَ يُنْظَرُ الْمُلْحَقُ الْأُصُولِيُّ.
تَتَبُّعُ الْمُفْتِي لِلرُّخَصِ:
26 -ذَهَبَ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ وَصَرَّحَ بِهِ النَّوَوِيُّ فِي فَتَاوِيهِ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُفْتِي تَتَبُّعُ رُخَصِ الْمَذَاهِبِ، بِأَنْ يَبْحَثَ عَنْ الْأَسْهَلِ مِنْ الْقَوْلَيْنِ أَوْ الْوَجْهَيْنِ وَيُفْتِيَ بِهِ، وَخَاصَّةً إنْ كَانَ يُفْتِي بِذَلِكَ مَنْ يُحِبُّهُ مِنْ صِدِّيقٍ أَوْ قَرِيبٍ، وَيُفْتِي بِغَيْرِ ذَلِكَ مَنْ عَدَاهُمْ، وَقَدْ خَطَّأَ الْعُلَمَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ، نَقَلَهُ الشَّاطِبِيُّ عَنْ الْبَاجِيِّ وَالْخَطَّابِيِّ، وَنَصَّ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ أَبُو إسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ، وَابْنُ الْقَيِّمِ عَلَى فِسْقِ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ، لِأَنَّ الرَّاجِحَ فِي نَظَرِ الْمُفْتِي هُوَ فِي ظَنِّهِ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى، فَتَرْكُهُ وَالْأَخْذُ بِغَيْرِهِ لِمُجَرَّدِ الْيُسْرِ وَالسُّهُولَةِ اسْتِهَانَةٌ بِالدِّينِ، شَبِيهٌ بِالِانْسِلَاخِ مِنْهُ، وَلِأَنَّهُ شَبِيهٌ بِرَفْعِ التَّكْلِيفِ بِالْكُلِّيَّةِ، إذْ الْأَصْلُ أَنَّ فِي التَّكْلِيفِ نَوْعًا مِنْ الْمَشَقَّةِ، فَإِنْ أَخَذَ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ بِالْأَخَفِّ لِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ أَخَفَّ، فَإِنَّهُ مَا شَاءَ أَنْ يُسْقِطَ تَكْلِيفًا - مِنْ غَيْرِ مَا فِيهِ إجْمَاعٌ - إلَّا أَسْقَطَهُ، فَيُسْقِطُ فِي الزَّكَاةِ مَثَلًا زَكَاةَ مَالِ الصَّغِيرِ، وَزَكَاةَ مَالِ التِّجَارَةِ، وَزَكَاةَ الْفُلُوسِ وَمَا شَابَهَهَا، وَزَكَاةَ كَثِيرِ مِنْ الْمُعَشَّرَاتِ، وَيُسْقِطُ تَحْرِيمَ الْمُتْعَةِ، وَيُجِيزُ النَّبِيذَ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، قَالَ أَحْمَدُ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا عَمِلَ بِكُلِّ رُخْصَةٍ: بِقَوْلِ أَهْلِ الْكُوفَةِ فِي النَّبِيذِ، وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي السَّمَاعِ، وَأَهْلِ مَكَّةَ فِي الْمُتْعَةِ، كَانَ فَاسِقًا. أ. هـ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: مَنْ أَخَذَ بِنَوَادِرِ الْعُلَمَاءِ خَرَجَ مِنْ الْإِسْلَامِ. وَإِنْ أَفْتَى كُلَّ أَحَدٍ بِمَا يَشْتَهِي انْخَرَمَ قَانُونَ السِّيَاسَةُ الشَّرْعِيَّةُ، الَّذِي يَقُومُ عَلَى الْعَدَالَةِ وَالتَّسْوِيَةِ، وَهَذَا يُؤَدِّي إلَى الْفَوْضَى وَالْمَظَالِمِ وَتَضْيِيعِ الْحُقُوقِ بَيْنَ النَّاسِ. قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: سَمِعْت إسْمَاعِيلَ الْقَاضِيَ قَالَ: دَخَلْت عَلَى الْمُعْتَضِدِ، فَدَفَعَ إلَيَّ كِتَابًا نَظَرْت فِيهِ وَقَدْ جَمَعَ فِيهِ الرُّخَصَ مِنْ زَلَلِ الْعُلَمَاءِ، وَمَا احْتَجَّ بِهِ كُلٌّ مِنْهُمْ، فَقُلْت: مُؤَلِّفُ هَذَا الْكِتَابِ زِنْدِيقٌ، فَقَالَ: لَمْ تَصِحَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ؟ قُلْت: الْأَحَادِيثُ عَلَى مَا رُوِيَتْ، وَلَكِنْ مَنْ أَبَاحَ الْمُسْكِرَ لَمْ يُبِحْ الْمُتْعَةَ، وَمَنْ أَبَاحَ الْمُتْعَةَ لَمْ يُبِحْ الْمُسْكِرَ، وَمَا مِنْ عَالِمٍ إلَّا وَلَهُ زَلَّةٌ، وَمَنْ جَمَعَ زَلَلَ الْعُلَمَاءِ ثُمَّ أَخَذَ بِهَا ذَهَبَ دِينُهُ، فَأَمَرَ الْمُعْتَضِدُ بِإِحْرَاقِ هَذَا الْكِتَابِ. عَلَى أَنَّ الذَّاهِبِينَ إلَى هَذَا الْقَوْلِ لَمْ يَمْنَعُوا الْإِفْتَاءَ بِمَا فِيهِ تَرْخِيصٌ إنْ كَانَ لَهُ مُسْتَنَدٌ صَحِيحٌ. قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ تَتَبُّعَ الْمُفْتِي الرُّخَصَ لِمَنْ أَرَادَ