أَعْدَائِهِمْ، لِأَنَّ الْجِهَادَ فَرْضٌ وَالْأَمَانَ يَتَضَمَّنُ تَحْرِيمَ الْقِتَالِ، فَيَتَنَاقَضُ، إلَّا إذَا كَانَ فِي حَالِ ضَعْفِ الْمُسْلِمِينَ وَقُوَّةِ الْكَفَرَةِ، لِأَنَّهُ إذْ ذَاكَ يَكُونُ قِتَالًا مَعْنًى، لِوُقُوعِهِ وَسِيلَةً إلَى الِاسْتِعْدَادِ لِلْقِتَالِ، فَلَا يُؤَدِّي إلَى التَّنَاقُضِ.
مَنْ لَهُ حَقُّ إعْطَاءِ الْأَمَانِ:
7 -الْأَمَانُ إمَّا أَنْ يُعْطَى مِنْ الْإِمَامِ أَوْ مِنْ آحَادِ الْمُسْلِمِينَ: أ - أَمَانُ الْإِمَامِ: يَصِحُّ أَمَانُ الْإِمَامِ لِجَمِيعِ الْكُفَّارِ وَآحَادِهِمْ، لِأَنَّهُ مُقَدَّمٌ لِلنَّظَرِ وَالْمَصْلَحَةِ، نَائِبٌ عَنْ الْجَمِيعِ فِي جَلْبِ الْمَنَافِعِ وَدَفْعِ الْمَضَارِّ. وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ. ب - أَمَانُ آحَادِ الْمُسْلِمِينَ: يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ أَمَانَ آحَادِ الْمُسْلِمِينَ يَصِحُّ لِعَدَدٍ مَحْصُورٍ كَأَهْلِ قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ وَحِصْنٍ صَغِيرٍ، أَمَّا تَامِينُ الْعَدَدِ الَّذِي لَا يَنْحَصِرُ فَهُوَ مِنْ خَصَائِصِ الْإِمَامِ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّ الْأَمَانَ يَصِحُّ مِنْ الْوَاحِدِ، سَوَاءٌ أَمَّنَ جَمَاعَةً كَثِيرَةً أَوْ قَلِيلَةً أَوْ أَهْلَ مِصْرٍ أَوْ قَرْيَةٍ، فَلَيْسَ حِينَئِذٍ لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قِتَالُهُمْ.
شُرُوطُ الْمُؤَمِّنِ:
8 -أ - الْإِسْلَامُ: فَلَا يَصِحُّ أَمَانُ الْكَافِرِ، وَإِنْ كَانَ يُقَاتِلُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ. ب - الْعَقْلُ: فَلَا يَصِحُّ أَمَانُ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ. ج - الْبُلُوغُ: بُلُوغُ الْمُؤَمِّنِ شَرْطٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيُّ: لَيْسَ بِشَرْطٍ. د - عَدَمُ الْخَوْفِ مِنْ الْحَرْبِيِّينَ: فَلَا يَصِحُّ أَمَانُ الْمَقْهُورِينَ فِي أَيْدِي الْكَفَرَةِ. أَمَّا الذُّكُورَةُ فَلَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الْأَمَانِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، فَيَصِحُّ أَمَانُ الْمَرْأَةِ لِأَنَّهَا لَا تَعْجِزُ عَنْ الْوُقُوفِ عَلَى حَالِ الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ: إنَّ أَمَانَ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءً، وَلَكِنْ إنْ وَقَعَ يَمْضِي إنْ أَمْضَاهُ الْإِمَامُ وَإِنْ شَاءَ رَدَّهُ. (مَوَاطِنُ الْبَحْثِ) : فَصَّلَ الْفُقَهَاءُ أَحْكَامَ الْأَمَانِ فِي أَبْوَابِ السِّيَرِ وَالْجِهَادِ فَتُنْظَرُ فِيهَا، وَيُرْجَعُ إلَى مُصْطَلَحِ (مُسْتَامَنٌ)
قلت: وفي كلامهم هذا أمور يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار للتحقق الأمان:
الأول: الْأَصْلُ أَنَّ إعْطَاءَ الْأَمَانِ أَوْ طَلَبَهُ مُبَاحٌ، وَقَدْ يَكُونُ حَرَامًا أَوْ مَكْرُوهًا إذَا كَانَ يُؤَدِّي إلَى ضَرَرٍ أَوْ إخْلَالٍ بِوَاجِبٍ أَوْ مَنْدُوبٍ؛ فالأمان الذي يعطى لهؤلاء الكفار فيه ضرر أكيد على الإسلام والمسلمين سواء من حيث نهب خيرات المسلمين أو من حيث مزاحمة المسلمين على تلك الأعمال والوظائف أو من حيث أجورهم المرتفعة الباهظة التي لا يحلم بها مسلم وكذلك التجسس على المسلمين وكشف أسرارهم وعدم الإخلاص لهم وكذلك نشر الموبقات بين المسلمين بحرية تامة دون حسيب ولا رقيب (( بحجة أنهم أهل ذمة ) )
وعلى ضوء ذلك فلا يصح هذا الأمان أصلا وإذا بطل الأصل بطل الفرع
فأي مصلحة للمسلمين في إدخال أولئك الكفار إلى بلاد المسلمين؟
علما أن في المسلمين من الكفاآت العالية ما يغني عنهم بل إدخالهم هذا لبلاد المسلمين وإقامتهم فيها هو ضرر بالغ بالمسلمين وحرمانهم من خيراتهم