وسلم نَهَى النِّسَاءَ عَنْ الْخُرُوجِ إلَى الْمَسَاجِدِ فِي جَمَاعَةٍ إلَّا عَجُوزًا فِي مَنْقَلِهَا، وَالْمَنْقَلُ الْخُفُّ"لَا أَصْلَ لَهُ، وَبَيَّضَ لَهُ الْمُنْذِرِيُّ وَالنَّوَوِيُّ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْمُهَذَّبِ. لَكِنْ أَخْرَجَ الْمَسْعُودِيُّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: قَالَ وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ مَا صَلَّتْ امْرَأَةٌ صَلَاةً خَيْرًا لَهَا مِنْ صَلَاةٍ تُصَلِّيهَا فِي بَيْتِهَا، إلَّا الْمَسْجِدَيْنِ: إلَّا عَجُوزًا فِي مَنْقَلِهَا، وَكَذَا ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي غَرِيبِهِ، وَالْجَوْهَرِيُّ فِي الصِّحَاحِ، انْتَهَى (قَوْلُهُ) {تَقُومِينَ فِي وَسَطِهِنَّ} الْخَبَرُ تَقَدَّمَ لَفْظُهُ فِي الشِّفَاءِ، وَفِي أُصُولِ الْأَحْكَامِ نَحْوُهُ، وَفِيهِمَا أَيْضًا أَنَّ عَائِشَةَ صَلَّتْ بِنِسْوَةٍ الْعَصْرَ فَقَامَتْ وَسَطَهُنَّ وَفِي الْمُهَذَّبِ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ وَعَائِشَةَ أَمَّتَا نِسَاءً فَقَامَتَا وَسَطَهُنَّ. وَفِي التَّلْخِيصِ حَدِيثُ عَائِشَةَ أَنَّهَا أَمَّتْ نِسَاءً فَقَامَتْ وَسَطَهُنَّ، عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَمِنْ طَرِيقِهِ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ، وَحُكِيَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ مِثْلُهُ، وَنَسَبَهُ إلَى الشَّافِعِيِّ وَابْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَأَشَارَ إلَى ضَعْفِهِ. وَفِي حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد {أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم كَانَ يَزُورُ أُمَّ وَرَقَةَ فِي بَيْتِهَا وَجَعَلَ لَهَا مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ لَهَا وَأَمَرَهَا أَنْ تَؤُمَّ أَهْلَ دَارِهَا} "
(وَيُكْرَهُ النِّسَاءُ وَحْدَهُنَّ الْجَمَاعَةُ) لِأَنَّهَا لَا تَخْلُو عَنْ ارْتِكَابِ مُحَرَّمٍ، وَهُوَ قِيَامُ الْإِمَامِ وَسَطَ الصَّفِّ فَيُكْرَهَ كَالْعُرَاةِ (فَإِنْ فَعَلْنَ قَامَتْ الْإِمَامُ وَسَطَهُنَّ) لِأَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها فَعَلَتْ كَذَلِكَ، وَحُمِلَ فِعْلُهَا الْجَمَاعَةَ عَلَى ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ وَلِأَنَّ فِي التَّقَدُّمِ زِيَادَةَ الْكَشْفِ.
(قَوْلُهُ لِأَنَّهَا لَا تَخْلُو إلَخْ) صَرِيحٌ فِي أَنَّ تَرْكَ الْقِدَمِ لِإِمَامِ الرِّجَالِ مُحَرَّمٌ، وَكَذَا صَرَّحَ الشَّارِحُ وَسَمَّاهُ فِي الْكَافِي مَكْرُوهًا وَهُوَ الْحَقُّ: أَيْ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ، لِأَنَّ مُقْتَضَى الْمُوَاظَبَةِ عَلَى التَّقَدُّمِ مِنْهُ صلى الله عليه وسلم بِلَا تَرْكِ الْوُجُوبِ فَلِعَدَمِهِ كَرَاهَةَ التَّحْرِيمِ فَاسْمُ الْمُحَرَّمِ مَجَازٌ، وَاسْتَلْزَمَ مَا ذُكِرَ أَنَّ جَمَاعَةَ النِّسَاءِ تُكْرَهُ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ لِأَنَّ مَلْزُومَ مُتَعَلِّقِ الْحُكْمِ: أَعْنِي الْفِعْلَ الْمُعَيَّنَ مَلْزُومٌ لِذَلِكَ الْحُكْمِ، ثُمَّ شَبَّهَهَا بِجَمَاعَةِ الْعُرَاةِ فَاقْتَضَى أَنَّهَا أَيْضًا تُكْرَهُ كَذَلِكَ لِاتِّحَادِ اللَّازِمِ. وَهُوَ أَحَدُ الْأُمُورِ: إمَّا تَرْكُ وَاجِبِ التَّقَدُّمِ، وَإِمَّا زِيَادَةُ الْكَشْفِ الَّذِي هُوَ أَفْحَشُ مِنْ كَشْفِ الْمَرْأَةِ إذَا تَقَدَّمَتْ وَهِيَ لَابِسَةٌ ثَوْبًا مَحْشُوًّا مِنْ قَرْنِهَا إلَى قَدِمَهَا فَإِنَّ الْكَرَاهَةَ ثَابِتَةٌ فِي حَقِّهَا أَيْضًا، وَلَا كَشْفَ عَوْرَةٍ فَكَيْفَ بِالْعَارِي الْمُتَعَرِّضِ لِلنَّظَرِ أَوْ زِيَادَةِ كَشْفِ عَوْرَةٍ يَقْدِرُ عَلَى سَتْرِ بَعْضِهَا، ثُمَّ ثُبُوتُ كَرَاهَةِ تَقَدُّمِهَا وَهِيَ بِهَذَا السِّتْرِ الْمَذْكُورِ إنَّمَا يَتِمُّ الِاسْتِدْلَال عَلَيْهِ بِفِعْلِ عَائِشَةَ فَقَطْ لَمَّا أَتَتْ، فَإِنَّهَا مَا تَرَكَتْ وَاجِبَ التَّقَدُّمِ إلَّا لِأَمْرٍ هُوَ أَوْجَبُ مِنْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَا هُوَ، أَلِذَلِكَ الْقَدْرِ مِنْ الِانْكِشَافِ الْمُلَازِمِ لِشُخُوصِهَا عَنْهُنَّ، أَوْ هُوَ لِنَفْسِ شُخُوصِهَا عَنْهُنَّ شَبِيهَةً بِالرِّجَالِ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ. وَاعْلَمْ أَنَّ جَمَاعَتَهُنَّ لَا تُكْرَهُ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ لِأَنَّهَا فَرِيضَةٌ، وَتَرْكُ التَّقَدُّمِ مَكْرُوهٌ فَدَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ فِعْلِ الْمَكْرُوهِ بِفِعْلِ الْفَرْضِ أَوْ تَرْكِ الْفَرْضِ لِتَرْكِهِ فَوَجَبَ الْأَوَّلُ، بِخِلَافِ جَمَاعَتِهِنَّ فِي غَيْرِهَا وَلَوْ صَلَّيْنَ فُرَادَى فَقَدْ تَسْبِقُ إحْدَاهُنَّ فَتَكُونُ صَلَاةُ الْبَاقِيَاتِ نَفْلًا وَالتَّنَفُّلُ بِهَا مَكْرُوهٌ فَيَكُونُ فَرَاغُ تِلْكَ مُوجِبًا لِفَسَادِ الْفَرْضِيَّةِ لِلصَّلَاةِ الْبَاقِيَاتِ كَتَقْيِيدِ الْخَامِسَةِ بِالسَّجْدَةِ لِمَنْ تَرَكَ الْقَعْدَةَ الْأَخِيرَةَ (قَوْلُهُ فَإِنْ فَعَلْنَ قَامَتْ الْإِمَامُ وَسَطَهُنَّ) لِأَنَّ تَرْكَ التَّقَدُّمِ أَسْهَلُ مِنْ زِيَادَةِ الْكَشْفِ وَلَا بُدَّ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَلَوْ تَقَدَّمَتْ صَحَّ، وَمُقْتَضَى مَا عُلِمَ مِنْ التَّقْرِيرِ أَنْ تَاثَمَ بِهِ (قَوْلُهُ وَحُمِلَ فِعْلُهَا عَلَى ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ) وَهَكَذَا فِي الْمَبْسُوطِ، قَالَ السُّرُوجِيُّ فِيهِ بُعْدٌ: {فَإِنَّهُ صلى الله عليه وسلم أَقَامَ بِمَكَّةَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً} كَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، {ثُمَّ تَزَوَّجَ عَائِشَةَ رضي الله عنها، وَبَنَى بِهَا بِالْمَدِينَةِ وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ، وَبَقِيَتْ عِنْدَهُ تِسْعَ سِنِينَ} وَمَا تَؤُمُّ إلَّا بَعْدَ بُلُوغِهَا، فَأَيْنَ ذَلِكَ مِنْ ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ، لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ مَنْسُوخٌ، فَعَلَتْهُ حِينَ كَانَ النِّسَاءُ يَحْضُرْنَ الْجَمَاعَةَ