فهرس الكتاب

الصفحة 390 من 537

وقال الجصاص:

وقوله تعالى: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا} هُوَ مَجَازٌ فِي اللُّغَةِ؛ لِأَنَّ الْخَدِيعَةَ فِي الْأَصْلِ هِيَ الْإِخْفَاءُ؛ وَكَأَنَّ الْمُنَافِقَ أَخْفَى الْإِشْرَاكَ وَأَظْهَرَ الْإِيمَانَ عَلَى وَجْهِ الْخِدَاعِ وَالتَّمْوِيهِ وَالْغُرُورِ لِمَنْ يُخَادِعُهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُخَادَعَ فِي الْحَقِيقَةِ. وَلَيْسَ يَخْلُو هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ وَصَفَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونُوا عَارِفِينَ بِاَللَّهِ تَعَالَى، قَدْ عَلِمُوا أَنَّهُ لَا يُخَادَعُ بِتَسَاتُرِ شَيْءٍ، أَوْ غَيْرَ عَارِفِينَ، فَذَلِكَ أَبْعَدُ؛ إذْ لَا يَصِحُّ أَنْ يَقْصِدَهُ لِذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ أَطْلَقَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ عَمِلُوا عَمَلَ الْمُخَادِعِ، وَوَبَالُ الْخِدَاعِ رَاجِعٌ عَلَيْهِمْ، فَكَأَنَّهُمْ إنَّمَا يُخَادِعُونَ أَنْفُسَهُمْ وَقِيلِ: إنَّ الْمُرَادَ: يُخَادِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَحُذِفَ ذِكْرُ النَّبِيِّ عليه السلام كَمَا قَالَ: {إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} وَالْمُرَادُ يُؤْذُونَ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ وَأَيُّ الْوَجْهَيْنِ كَانَ فَهُوَ مَجَازٌ وَلَيْسَ بِحَقِيقَةٍ، وَلَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ إلَّا فِي مَوْضِعٍ يَقُومُ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ. وَإِنَّمَا خَادَعُوا رَسُولَ اللَّهِ تَقِيَّةً لِتَزُولَ عَنْهُمْ أَحْكَامُ سَائِرِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ أُمِرَ النَّبِيُّ عليه السلام وَالْمُؤْمِنُونَ بِقَتْلِهِمْ؛ وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونُوا أَظْهَرُوا الْإِيمَانَ لِلْمُؤْمِنِينَ لِيُوَالُوهُمْ كَمَا يُوَالِي الْمُؤْمِنُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَيَتَوَاصَلُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ؛ وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونُوا يُظْهِرُونَ لَهُمْ الْإِيمَانَ لِيُفْشُوا إلَيْهِمْ أَسْرَارَهُمْ فَيَنْقُلُوا ذَلِكَ إلَى أَعْدَائِهِمْ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} مَجَازٌ؛ وَقَدْ قِيلَ فِيهِ وُجُوهٌ: أَحَدُهَا عَلَى جِهَةِ مُقَابَلَةِ الْكَلَامِ بِمِثْلِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَاهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} . وَالثَّانِيَةُ لَيْسَتْ بِسَيِّئَةٍ بَلْ حَسَنَةٍ، وَلَكِنَّهُ لَمَّا قَابَلَ بِهَا السَّيِّئَةَ أَجْرَى عَلَيْهَا اسْمَهَا وقوله تعالى: {فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} . وَالثَّانِي لَيْسَ بِاعْتِدَاءٍ. وقوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} وَالْأَوَّلُ لَيْسَ بِعِقَابٍ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى مُقَابَلَةِ اللَّفْظ بِمِثْلِهِ وَمُزَاوَجَتِهِ وَتَقُولُ الْعَرَبُ: الْجَزَاءُ بِالْجَزَاءِ، وَالْأَوَّلُ لَيْسَ بِجَزَاءٍ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: أَلَا لَا يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَيْنَا فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الْجَاهِلِينَا وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يَمْتَدِحْ بِالْجَهْلِ، وَلَكِنَّهُ جَرَى عَلَى عَادَتِهِمْ فِي ازْدِوَاجِ الْكَلَامِ وَمُقَابَلَتِهِ. وَقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ أَطْلَقَهُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى طَرِيقِ التَّشْبِيهِ؛ وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ وَبَالُ الِاسْتِهْزَاءِ رَاجِعًا عَلَيْهِمْ وَلَاحِقًا لَهُمْ كَانَ كَأَنَّهُ اسْتَهْزَأَ بِهِمْ. وَقِيلَ: لَمَّا كَانُوا قَدْ أُمْهِلُوا فِي الدُّنْيَا وَلَمْ يُعَاجِلُوا بِالْعُقُوبَةِ وَالْقَتْلِ كَسَائِرِ الْمُشْرِكِينَ وَأَخَّرَ عِقَابَهُمْ فَاغْتَرُّوا بِالْإِمْهَالِ كَانُوا كَالْمُسْتَهْزَأِ بِهِمْ.

بَابُ الْقِصَاصِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} هَذَا كَلَامٌ مُكْتَفٍ بِنَفْسِهِ غَيْرُ مُفْتَقِرٍ إلَى مَا بَعْدَهُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ اُقْتُصِرَ عَلَيْهِ لَكَانَ مَعْنَاهُ مَفْهُومًا مِنْ لَفْظِهِ، وَاقْتَضَى ظَاهِرُهُ وُجُوبَ الْقِصَاصِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي جَمِيعِ الْقَتْلَى؟ وَالْقِصَاصُ هُوَ أَنْ يُفْعَلَ بِهِ مِثْل مَا فَعَلَ بِهِ، مِنْ قَوْلِكَ:"اقْتَصَّ أَثَرَ فُلَانٍ"إذَا فَعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا} وقوله تعالى: {وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ} أَيْ اتَّبِعِي أَثَرَهُ. وَقَوْلُهُ: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ} مَعْنَاهُ: فُرِضَ عَلَيْكُمْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ} وَ {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ} وَقَدْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ وَاجِبَةً. وَمِنْهُ: الصَّلَوَاتُ الْمَكْتُوبَاتُ، يَعْنِي بِهَا الْمَفْرُوضَاتِ، فَانْتَظَمَتْ الْآيَةُ إيجَابَ الْقِصَاصِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إذَا قَتَلُوا لِمَنْ قُتِلُوا مِنْ سَائِرِ الْمَقْتُولِينَ لِعُمُومِ لَفْظِ الْمَقْتُولِينَ. وَالْخُصُوصُ إنَّمَا هُوَ فِي الْقَاتِلِينَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ الْقِصَاصُ مَكْتُوبًا عَلَيْهِمْ إلَّا وَهُمْ قَاتِلُونَ، فَاقْتَضَى وُجُوبَ الْقِصَاصِ عَلَى كُلِّ قَاتِلٍ عَمْدًا بِحَدِيدَةٍ إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَقْتُولُ عَبْدًا أَوْ ذِمِّيًّا، ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، لِشُمُولِ لَفْظِ الْقَتْلَى لِلْجَمِيعِ. وَلَيْسَ تَوْجِيهُ الْخِطَابِ إلَى الْمُؤْمِنِينَ بِإِيجَابِ الْقِصَاصِ عَلَيْهِمْ فِي الْقَتْلَى بِمُوجِبٍ أَنْ يَكُونَ الْقَتْلَى مُؤْمِنِينَ؛ لِأَنَّ عَلَيْنَا اتِّبَاعَ عُمُومِ اللَّفْظِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت