بِالصِّيعَانِ - وَقَدْ فَقَدُوهُ وَلَمْ يَدْرُوا مَنْ أَخَذَهُ مِنْهُمْ - أَيَّتُهَا الْعِيرُ إنَّكُمْ لَسَارِقُونَ عَلَى ظَنٍّ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ كَذَلِكَ وَلَمْ يَامُرْهُمْ يُوسُفُ بِذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ قَوْلُ هَذَا الْقَائِلِ كَذِبًا كَانَ فِي حَقِّهِ وَغَالِبِ ظَنِّهِ مَا هُوَ عِنْدَهُ، وَلَعَلَّ يُوسُفَ قَدْ قَالَ لِلْمُنَادِي هَؤُلَاءِ قَدْ سَرَقُوا، وَعَنَى بِسَرِقَتِهِ مِنْ أَبِيهِ وَالْمُنَادِي فَهِمَ سَرِقَةَ الصُّوَاعِ وَهُوَ صَادِقٌ فِي قَوْلِهِ نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ فَإِنَّ يُوسُفَ لَعَلَّهُ لَمْ يُطْلِعْ عَلَى أَنَّ الصُّوَاعَ فِي رِحَالِهِمْ لِيَتِمَّ الْأَمْرُ فَنَادَى إنَّكُمْ لَسَارِقُونَ بِنَاءً عَلَى مَا أَخْبَرَ بِهِ يُوسُفُ، وَكَذَلِكَ لَمْ يَقُلْ سَرَقْتُمْ صَاعَ الْمَلِكِ إنَّمَا قَالَ نَفْقِدُهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ سَرَقُوهُ، أَوْ أَنَّهُ اطَّلَعَ عَلَى مَا صَنَعَهُ يُوسُفُ فَاحْتَرَزَ فِي قَوْلِهِ فَقَالَ إنَّكُمْ لَسَارِقُونَ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمَفْعُولَ لِيَصِحَّ أَنْ يُضْمِرَ سَرِقَتَهُمْ يُوسُفَ، ثُمَّ قَالَ: نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَهُوَ صَادِقٌ فِي ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ احْتَرَزَ يُوسُفُ فِي قَوْلِهِ: {مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَاخُذَ إلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ} وَلَمْ يَقُلْ إلَّا مَنْ سَرَقَ. وَعَلَى التَّقْدِيرِ فَالْكَلَامُ مِنْ أَحْسَنِ الْمَعَارِيضِ وَقَدْ قَالَ نَصْرُ بْنُ حَاجِبٍ سُئِلَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الرَّجُلِ يَعْتَذِرُ إلَى أَخِيهِ مِنْ الشَّيْءِ الَّذِي قَدْ فَعَلَهُ وَيُحَرِّفُ الْقَوْلَ فِيهِ لِيُرْضِيَهُ أَيَاثَمُ فِي ذَلِكَ؟ قَالَ أَلَمْ تَسْمَعْ إلَى قَوْلِهِ لَيْسَ بِكَاذِبٍ مَنْ أَصْلَحَ بَيْنَ النَّاسِ فَكَذَبَ فِيهِ فَإِذَا أَصْلَحَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُصْلِحَ بَيْنَ النَّاسِ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ وَذَلِكَ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ مَرْضَاةَ اللَّهِ وَكَرَاهَةَ أَذَى الْمُؤْمِنِ وَيَنْدَمُ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ وَيَدْفَعُ شَرَّهُ عَنْ نَفْسِهِ وَلَا يُرِيدُ بِالْكَذِبِ اتِّخَاذَ الْمَنْزِلَةِ عِنْدَهُمْ وَلَا لِطَمَعِ شَيْءٍ يُصِيبُ مِنْهُمْ فَإِنَّهُ لَمْ يُرَخِّصْ فِي ذَلِكَ وَرَخَّصَ لَهُ إذَا كَرِهَ مَوْجِدَتَهُمْ وَخَافَ عَدَاوَتَهُمْ. قَالَ حُذَيْفَةُ إنِّي أَشْتَرِي دِينِي بَعْضَهُ بِبَعْضٍ مَخَافَةَ أَنْ أَتَقَدَّمَ عَلَى مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ وَكَرِهَ أَيْضًا أَنْ يَتَغَيَّرَ قَلْبُهُ عَلَيْهِ، قَالَ سُفْيَانُ وَقَالَ الْمَلَكَانِ: {خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ} أَرَادَ مَعْنَى شَيْءٍ وَلَمْ يَكُونَا خَصْمَيْنِ فَلَمْ يَصِيرَا بِذَلِكَ كَاذِبَيْنِ وَقَالَ إبْرَاهِيمُ: {إنِّي سَقِيمٌ} ، وَقَالَ: {قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} ، وَقَالَ يُوسُفُ: {إنَّكُمْ لَسَارِقُونَ} أَرَادَ مَعْنَى أَمْرِهِمْ. فَبَيَّنَ سُفْيَانُ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ مِنْ الْمَعَارِيضِ الْمُبَاحَةِ مِنْ تَسْمِيَتِهِ كَذَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْحَقِيقَةِ كَذِبًا كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ.
فَصْلٌ [الْكَلَامُ عَلَى قِصَّةِ يُوسُفَ وَجَعْلِهِ الصُّوَاعَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ] وَأَمَّا إخْبَارَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنْ يُوسُفَ عليه السلام أَنَّهُ جَعَلَ صُوَاعَهُ فِي رَحْلِ أَخِيهِ لِيَتَوَصَّلَ بِذَلِكَ إلَى أَخْذِهِ وَكَيْدِ إخْوَتِهِ، فَنَقُولُ لِأَرْبَابِ الْحِيَلِ: أَوَّلًا: هَلْ تُجَوِّزُونَ أَنْتُمْ مِثْلَ هَذَا حَتَّى يَكُونَ حُجَّةً لَكُمْ؟ وَإِلَّا فَكَيْفَ تَحْتَجُّونَ بِمَا لَا تُجَوِّزُونَ فِعْلَهُ؟، فَإِنْ قُلْتُمْ: فَقَدْ كَانَ جَائِزًا فِي شَرِيعَتِهِ، قُلْنَا: وَمَا يَنْفَعُكُمْ إذَا لَمْ يَكُنْ جَائِزًا فِي شَرْعِنَا؟ قَالَ شَيْخُنَا رضي الله عنه: مِمَّا قَدْ يُظَنُّ أَنَّهُ مِنْ جِنْسِ الْحِيَلِ الَّتِي بَيَّنَّا تَحْرِيمَهَا وَلَيْسَ مِنْ جِنْسِهَا قِصَّةُ يُوسُفَ حِين كَادَ اللَّهُ لَهُ فِي أَخْذِ أَخِيهِ كَمَا قَصَّ ذَلِكَ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ، فَإِنَّ فِيهِ ضُرُوبًا مِنْ الْحِيَلِ الْحَسَنَةِ: أَحَدُهَا: قَوْلُهُ لِفِتْيَانِهِ: {اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إذَا انْقَلَبُوا إلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} فَإِنَّهُ تَسَبَّبَ بِذَلِكَ إلَى رُجُوعِهِمْ، وَقَدْ ذَكَرُوا فِي ذَلِكَ مَعَانِيَ: مِنْهَا أَنَّهُ تَخَوَّفَ أَنْ لَا يَكُونَ عِنْدَهُمْ وَرِقٌ يَرْجِعُونَ بِهَا، وَمِنْهَا أَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يَضُرَّ أَخْذُ الثَّمَنِ بِهِمْ، وَمِنْهَا أَنَّهُ رَأَى لَوْ مَا أَخَذَ الثَّمَنَ مِنْهُمْ، وَمِنْهَا أَنَّهُ أَرَاهُمْ كَرَمَهُ فِي رَدِّ الْبِضَاعَةِ لِيَكُونَ أَدْعَى لَهُمْ إلَى الْعَوْدِ، وَمِنْهَا أَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ أَمَانَتَهُمْ تَحُوجُهُمْ إلَى الْعَوْدِ لِيَرُدُّوهَا إلَيْهِ؛ فَهَذَا الْمُحْتَالُ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ، وَالْمَقْصُودُ رُجُوعُهُمْ وَمَجِيءُ أَخِيهِ، وَذَلِكَ أَمْرٌ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لَهُمْ وَلِأَبِيهِمْ وَلَهُ، وَهُوَ مَقْصُودٌ صَالِحٌ، وَإِنَّمَا لَمْ يُعَرِّفُهُمْ نَفْسَهُ لِأَسْبَابٍ أُخَرَ فِيهَا أَيْضًا مَنْفَعَةٌ لَهُمْ وَلَهُ وَلِأَبِيهِمْ وَتَمَامٌ لِمَا أَرَادَهُ اللَّهُ بِهِمْ مِنْ الْخَيْرِ فِي الْبَلَاءِ. الضَّرْبُ الثَّانِي: أَنَّهُ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ لِمَا جَهَّزَهُمْ بِجِهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ، وَهَذَا الْقَدْرُ تَضَمَّنَ إيهَامَ أَنَّ أَخَاهُ سَارِقٌ، وَقَدْ ذَكَرُوا