فهرس الكتاب

الصفحة 368 من 537

لِمَا قُلْنَا. وَإِنَّمَا يُعْمَلُ بِأَكْبَرِ الرَّايِ هَا هُنَا، لِأَنَّ الْقَلْبَ حَكَمَ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ يُوجِبُ الْعَمَلَ بِالظَّاهِرِ، وَالدَّلِيلُ الظَّاهِرُ مَعْدُومٌ هَا هُنَا فَكَانَ الْقَلْبُ حَكَمًا فِيهِ.

قال الجصاص:

(أَنَا) أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنِي أَبُو أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ أَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ (يَعْنِي ابْنَ أَبِي حَاتِمٍ) ؛ أَخْبَرَنِي أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ يُونُسَ بْنَ عَبْدِ الْأَعْلَى، يَقُولُ: قَالَ لِي الشَّافِعِيُّ (رحمه الله) فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} . قَالَ: لَا يَكُونُ فِي هَذَا الْمَعْنَى، إلَّا: هَذِهِ الثَّلَاثَةُ الْأَحْكَامُ وَمَا عَدَاهَا فَهُوَ: الْأَكْلُ بِالْبَاطِلِ؛ عَلَى الْمَرْءِ فِي مَالِهِ فَرْضٌ مِنْ اللَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ) لَا يَنْبَغِي لَهُ [التَّصَرُّفُ] فِيهِ؛ وَشَيْءٌ يُعْطِيهِ يُرِيدُ بِهِ وَجْهَ صَاحِبِهِ وَمِنْ الْبَاطِلِ، أَنْ يَقُولَ: اُحْرُزْ مَا فِي يَدِي، وَهُوَ لَكَ. وَفِيمَا أَنْبَأَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ (إجَازَةً) أَنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ مُحَمَّدَ بْنَ يَعْقُوبَ، حَدَّثَهُمْ أَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ، قَالَ: الشَّافِعِيُّ (رحمه الله) : جِمَاعُ مَا يَحِلُّ: أَنْ يَاخُذَهُ الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ؛ ثَلَاثَةُ وُجُوهٍ: (أَحَدُهَا) مَا وَجَبَ عَلَى النَّاسِ فِي أَمْوَالِهِمْ مِمَّا لَيْسَ لَهُمْ دَفْعُهُ مِنْ جِنَايَاتِهِمْ، وَجِنَايَاتِ مَنْ يَعْقِلُونَ عَنْهُ. وَمَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ بِالزَّكَاةِ، وَالنُّذُورِ، وَالْكَفَّارَاتِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَ [ثَانِيهَا] مَا أَوْجَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِمَّا أَخَذُوا بِهِ الْعِوَضَ: مِنْ الْبُيُوعِ، وَالْإِجَارَاتِ، وَالْهِبَاتِ: لِلثَّوَابِ، وَمَا فِي مَعْنَاهَا. وَ [ثَالِثُهَا] مَا أَعْطَوْا مُتَطَوِّعِينَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ الْتِمَاسَ وَاحِدٍ مِنْ وَجْهَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) : طَلَبُ ثَوَابِ اللَّهِ (وَالْآخَرُ) : طَلَبُ الِاسْتِحْمَادِ إلَى مَنْ أَعْطَوْهُ إيَّاهُ. وَكِلَاهُمَا مَعْرُوفٌ حَسَنٌ، وَنَحْنُ نَرْجُو عَلَيْهِ: الثَّوَابَ؛ إنْ شَاءَ اللَّهُ. ثُمَّ مَا أَعْطَى النَّاسُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْوُجُوهِ، وَمَا فِي مَعْنَاهَا وَاحِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) : حَقٌّ؛ (وَالْآخَرُ) بَاطِلٌ فَمَا أَعْطَوْهُ مِنْ الْبَاطِلِ غَيْرُ جَائِزٍ لَهُمْ، وَلَا لِمَنْ أَعْطَوْهُ وَذَلِكَ: قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} . فَالْحَقُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: الَّذِي هُوَ خَارِجٌ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ الَّتِي وَصَفْتُ يَدُلُّ عَلَى الْحَقِّ فِي نَفْسِهِ؛ وَعَلَى الْبَاطِلِ فِيمَا خَالَفَهُ. وَأَصْلُ ذِكْرِهِ فِي الْقُرْآنِ، وَالسُّنَّةِ، وَالْآثَارِ. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيمَا نَدَبَ بِهِ أَهْلَ دِينِهِ: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} ؛ فَزَعَمَ أَهْلُ الْعِلْمِ [بِالتَّفْسِيرِ] أَنَّ الْقُوَّةَ هِيَ: الرَّمْيُ. وَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ} ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ، ثُمَّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي السَّبْقِ وَذَكَرَ مَا يَحِلُّ مِنْهُ وَمَا يَحْرُمُ.

بَابُ فَضْلِ الرِّبَاطِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا} . قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَالضَّحَّاكُ:"اصْبِرُوا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَصَابِرُوا عَلَى دِينِكُمْ وَصَابِرُوا أَعْدَاءَ اللَّهِ وَرَابِطُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ"وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيّ: اصْبِرُوا عَلَى دِينِكُمْ وَصَابِرُوا وَعْدِي إيَّاكُمْ وَرَابِطُوا أَعْدَاءَكُمْ". وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ:"اصْبِرُوا عَلَى الْجِهَادِ وَصَابِرُوا الْعَدُوَّ وَرَابِطُوا الْخَيْلَ عَلَيْهِ". وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ:"وَرَابِطُوا بِانْتِظَارِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ". وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: {فِي انْتِظَارِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ.} وَقَالَ تَعَالَى: {وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} . وَرَوَى سُلَيْمَانُ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَمِنْ قِيَامِهِ، وَمَنْ مَاتَ فِيهِ وُقِيَ فِتْنَةَ الْقَبْرِ وَنَمَا لَهُ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت