جاءنا الخبر بانصراف المتبقين منهم. فكتبته في رجب، والله أعلم. والحمد لله وحده، وصلى الله على أشرف الخلق محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
وقال تعالى مبينا أن المؤمنين لا يوالون الكفار أبدا وإنما الذين يوالونهم هم المنافقون وذلك في سورة المجادلة «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ {14} أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ {15} اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ {16} لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ {17} يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ {18} اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ {19} إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ {20} كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ {21} لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ {22} ؟
يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله:
وهذه الحملة القوية على المنافقين الذين يتولون قوما غضب الله عليهم - وهم اليهود - تدل على أنهم كانوا يمعنون في الكيد للمسلمين، ويتآمرون مع ألد أعدائهم عليهم؛ كما تدل على أن سلطة الإسلام كانت قد عظمت، بحيث يخافها المنافقون، فيضطرون - عندما يواجههم رسول الله [صلى الله عليه وسلم] والمؤمنون بما يكشفه الله من تدبيراتهم ومؤامراتهم - إلى الحلف بالكذب لإنكار ما ينسب إليهم من مؤامرات وأقوال؛ وهم يعلمون أنهم كاذبون في هذه الأيمان. إنما هم يتقون بأيمانهم ما يتوقعونه من مؤاخذتهم بما ينكشف من دسائسهم: اتخذوا أيمانهم جنة أي وقاية. وبذلك يستمرون في دسائسهم للصد عن سبيل الله!
والله يتوعدهم مرات في خلال هذه الآيات: أعد الله لهم عذابا شديدا. إنهم ساء ما كانوا يعملون. . فلهم عذاب مهين. . لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا. أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون. .
ويصور مشهدهم يوم القيامة في وضع مزر مهين، وهم يحلفون لله كما كانوا يحلفون للناس: يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم. . مما يشير إلى أن النفاق قد تأصل في كيانهم، حتى ليصاحبهم إلى يوم القيامة. وفي حضرة الله ذي الجلال. الذي يعلم خفايا القلوب وذوات الصدور! ويحسبون أنهم على شيء. . وهم على هواء لا يستندون إلى شيء. أي شيء!
ويدمغهم بالكذب الأصيل الثابت: ألا إنهم هم الكاذبون. .
ثم يكشف عن علة حالهم هذه. فقد استولى عليهم الشيطان كلية فأنساهم ذكر الله. . والقلب الذي ينسى ذكر الله يفسد ويتمحض للشر: أولئك حزب الشيطان. . الخالص للشيطان الذي يقف تحت لوائه، ويعمل باسمه، وينفذ غاياته. وهو الشر الخالص الذي ينتهي إلى الخسران الخالص: ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون. .