فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 537

الْحَنَفِيَّةُ فِي الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ إلَى أَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يُفْتِيَ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ وَغَيْرِهِ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْأَحْكَامِ وَغَيْرِهَا، مَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْتَفْتِي خُصُومَةٌ، فَإِنْ كَانَ لَهُ خُصُومَةٌ فَلَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يُفْتِيَهُ فِيهَا. وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلْقَاضِي أَنْ يُفْتِيَ فِي مَا شَانُهُ أَنْ يُخَاصَمَ فِيهِ، كَالْبَيْعِ وَالشُّفْعَةِ وَالْجِنَايَاتِ. قَالَ الْبُرْزُلِيُّ: وَهَذَا إذَا كَانَ فِيمَا يُمْكِنُ أَنْ يُعْرَضَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَوْ جَاءَهُ السُّؤَالُ مِنْ خَارِجِ الْبَلَدِ الَّذِي يَقْضِي فِيهِ فَلَا كَرَاهَةَ. ثُمَّ إنْ أَفْتَى الْقَاضِي لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حُكْمًا، وَيَجُوزُ التَّرَافُعُ إلَى غَيْرِهِ، فَلَوْ حَكَمَ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ فِي النَّازِلَةِ بِعَيْنِهَا بِخِلَافِهِ لَمْ يَكُنْ نَقْضًا لِحُكْمِهِ، وَإِنْ رَدَّ شَهَادَةَ وَاحِدٍ بِرُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِي الْحُكْمِ بِعَدَالَتِهِ، وَلَا يُقَالُ: إنَّهُ حَكَمَ بِكَذِبِهِ أَوْ بِأَنَّهُ لَمْ يَرَ الْهِلَالَ، لِأَنَّ الْقَضَاءَ لَا يَدْخُلُ الْعِبَادَاتِ. كَمَا تَقَدَّمَ (ف 2، 9) .

مَا تَسْتَنِدُ إلَيْهِ الْفَتْوَى:

22 -الْمُجْتَهِدُ يُفْتِي بِمُقْتَضَى الْأَدِلَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ بِالتَّرْتِيبِ الْمُعْتَبَرِ، فَيُفْتِي أَوَّلًا بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ بِمَا فِي سُنَّةِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ بِالْإِجْمَاعِ، وَأَمَّا الْأَدِلَّةُ الْمُخْتَلَفُ فِيهَا كَالِاسْتِحْسَانِ وَشَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا، فَإِنْ أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى صِحَّةِ شَيْءٍ مِنْهَا أَفْتَى بِهِ، وَإِذَا تَعَارَضَتْ عِنْدَهُ الْأَدِلَّةُ فَعَلَيْهِ أَنْ يُفْتِيَ بِالرَّاجِحِ مِنْهَا. وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ فِي السَّعَةِ بِمَذْهَبِ أَحَدِ الْمُجْتَهِدِينَ، مَا لَمْ يُؤَدِّهِ اجْتِهَادُهُ إلَى أَنَّهُ هُوَ الْحَقُّ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِمَا هُوَ الْمَرْجُوحُ فِي نَظَرِهِ، نَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ قُدَامَةَ وَالْبَاجِيِّ، وَأَمَّا الْمُقَلِّدُ - حَيْثُ قُلْنَا: يَجُوزُ إفْتَاؤُهُ - فَإِنَّهُ يُفْتِي بِمَا تَيَسَّرَ لَهُ مِنْ أَقْوَالِ الْمُجْتَهِدِينَ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ أَعْلَمِهِمْ وَأَفْضَلِهِمْ لِيَاخُذَ بِقَوْلِهِ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْحَرَجِ، وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ رضي الله عنهم كَانَ السَّائِلُ مِنْهُمْ يَسْأَلُ مَنْ تَيَسَّرَ لَهُ سُؤَالُهُ مِنْ الْمُفْتِينَ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَقِيلَ: عَلَيْهِ أَنْ يَبْحَثَ عَنْ الْأَفْضَلِ لِيَاخُذَ بِقَوْلِهِ. أَمَّا مَا اخْتَلَفَ عَلَيْهِ اجْتِهَادُ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّرْجِيحُ بَيْنَهُمَا بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ التَّرْجِيحِ، وَلَيْسَ هُوَ بِالْخِيَارِ يَاخُذُ مَا شَاءَ وَيَتْرُكُ مَا شَاءَ، قَالَ النَّوَوِيُّ: لَيْسَ لِلْمُفْتِي وَالْعَامِلِ فِي مَسْأَلَةِ الْقَوْلَيْنِ أَنْ يَعْمَلَ بِمَا شَاءَ مِنْهُمَا بِغَيْرِ نَظَرٍ، بَلْ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِأَرْجَحِهِمَا، وَإِنْ بَنَى الْمُفْتِي فُتْيَاهُ عَلَى حَدِيثٍ نَبَوِيٍّ فَعَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِصِحَّتِهِ: إمَّا بِتَصْحِيحِهِ هُوَ إنْ كَانَ أَهْلًا لِذَلِكَ، أَوْ يَعْرِفَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الشَّانِ الْحُكْمَ بِصِحَّتِهِ. وَإِنْ كَانَ بَنَى فُتْيَاهُ عَلَى قَوْلِ مُجْتَهِدٍ - حَيْثُ يَجُوزُ ذَلِكَ - فَإِنْ لَمْ يَاخُذْهُ مِنْهُ مُشَافَهَةً وَجَبَ أَنْ يَتَوَثَّقَ، قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ: طَرِيقَةُ نَقْلِهِ لِذَلِكَ إمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ سَنَدٌ إلَى الْمُجْتَهِدِ، أَوْ يَاخُذَهُ عَنْ كِتَابٍ مَعْرُوفٍ تَنَاقَلَتْهُ الْأَيْدِي، نَحْوِ كُتُبِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَنَحْوِهَا مِنْ التَّصَانِيفِ الْمَشْهُورَةِ، لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ الْمَشْهُورِ، وَكَذَا لَوْ وَجَدَ الْعُلَمَاءَ يَنْقُلُونَ عَنْ الْكِتَابِ، وَرَأَى مَا نَقَلُوهُ عَنْهُ مَوْجُودًا فِيهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ، كَمَا لَوْ رَأَى عَلَى الْكِتَابِ خَطَّ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ. وَلْيَحْذَرْ مِنْ الِاعْتِمَادِ عَلَى كُتُبِ الْمُتَأَخِّرِينَ غَيْرِ الْمُحَرَّرَةِ.

الْإِفْتَاءُ بِالرَّايِ:

23 -الرَّايُ هُوَ: مَا يَرَاهُ الْقَلْبُ بَعْدَ فِكْرٍ وَتَأَمُّلٍ وَطَلَبٍ لِمَعْرِفَةِ وَجْهِ الصَّوَابِ، مِمَّا تَتَعَارَضُ فِيهِ الْأَمَارَاتُ، وَلَا يُقَالُ لِمَا لَا تَخْتَلِفُ فِيهِ الْأَمَارَاتُ: إنَّهُ رَايٌ وَالرَّايُ يَشْمَلُ الْقِيَاسَ وَالِاسْتِحْسَانَ وَغَيْرَهُمَا. وَلَا يَجُوزُ الْإِفْتَاءُ بِالرَّايِ الْمُخَالِفِ لِلنَّصِّ أَوْ الْإِجْمَاعِ، وَلَا يَجُوزُ الْمَصِيرُ إلَى الرَّايِ قَبْلَ الْعَمَلِ عَلَى تَحْصِيلِ النُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ، أَوْ الْقَوْلُ بِالرَّايِ غَيْرِ الْمُسْتَنِدِ إلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، بَلْ بِمُجَرَّدِ الْخَرْصِ وَالتَّخْمِينِ. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِمُعَاذٍ رضي الله عنه: كَيْفَ تَقْضِي؟ قَالَ: أَقْضِي بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت