، أَمَّا فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَيَاخُذُ بِالْأَيْسَرِ. وَالْأَصَحُّ وَالْأَظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَبَعْضِ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّ تَخَيُّرَ الْعَامِّيِّ بَيْنَ الْأَقْوَالِ الْمُخْتَلِفَةِ لِلْمُفْتِينَ جَائِزٌ، لِأَنَّ فَرْضَ الْعَامِّيِّ التَّقْلِيدُ، وَهُوَ حَاصِلٌ بِتَقْلِيدِهِ لِأَيِّ الْمُفْتِيَيْنِ شَاءَ.
46 -يَنْبَغِي لِلْمُسْتَفْتِي حِفْظُ الْأَدَبِ مَعَ الْمُفْتِي، وَأَنْ يُجِلَّهُ وَيُعَظِّمَهُ لِعِلْمِهِ وَلِأَنَّهُ مُرْشِدٌ لَهُ. وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَسْأَلَهُ عِنْدَ هَمٍّ أَوْ ضَجَرٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَشْغَلُ الْقَلْبَ. وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ هَلْ لِلْمُسْتَفْتِي أَنْ يُطَالِبَ الْمُفْتِيَ بِالْحُجَّةِ وَالدَّلِيلِ، فَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: لَهُ ذَلِكَ لِأَجْلِ احْتِيَاطِهِ لِنَفْسِهِ، وَيَلْزَمُ الْعَالِمَ أَنْ يَذْكُرَ لَهُ الدَّلِيلَ إنْ كَانَ مَقْطُوعًا بِهِ، لِإِشْرَافِهِ عَلَى الْعِلْمِ بِصِحَّتِهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مَقْطُوعًا بِصِحَّتِهِ، لِافْتِقَارِهِ إلَى اجْتِهَادٍ يَقْصُرُ عَنْهُ فَهْمُ الْعَامِّيِّ. وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ وَشَارِحُ الْمُنْتَهَى مِنْ الْحَنَابِلَةِ: يَنْبَغِي لِلْعَامِّيِّ أَنْ لَا يُطَالِبَ الْمُفْتِيَ بِالدَّلِيلِ، قَالَ الْخَطِيبُ: فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ تَسْكُنَ نَفْسُهُ لِسَمَاعِ الْحُجَّةِ طَلَبَهَا فِي مَجْلِسٍ آخَرَ، أَوْ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ بَعْدَ قَبُولِ الْفُتْيَا مُجَرَّدَةً. وَيُكْرَهُ كَثْرَةُ السُّؤَالِ، وَالسُّؤَالُ عَمَّا لَا يَنْفَعُ فِي الدِّينِ، وَالسُّؤَالُ عَمَّا لَمْ يَقَعْ، وَأَنْ يَسْأَلَ عَنْ صِعَابِ الْمَسَائِلِ، وَعَنْ الْحِكْمَةِ فِي الْمَسَائِلِ التَّعَبُّدِيَّةِ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَبْلُغَ بِالسُّؤَالِ حَدَّ التَّعَمُّقِ وَالتَّكَلُّفِ، وَأَنْ يَسْأَلَ عَلَى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ وَالْإِفْحَامِ وَطَلَبِ الْغَلَبَةِ فِي الْخِصَامِ، لِمَا فِي الْحَدِيثِ: {إنَّ أَبْغَضَ الرِّجَالِ إلَى اللَّهِ الْأَلَدُّ الْخَصِمُ} .
47 -لَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَفْتِي الْعَمَلُ بِقَوْلِ الْمُفْتِي لِمُجَرَّدِ إفْتَائِهِ، وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ، وَلَكِنْ قَدْ يَجِبُ فِي أَحْوَالٍ، مِنْهَا:
أ - أَنْ لَا يَجِدَ إلَّا مُفْتِيًا وَاحِدًا، فَيَلْزَمُهُ الْعَمَلُ بِقَوْلِهِ. وَكَذَا إنْ اتَّفَقَ قَوْلُ مَنْ وَجَدَهُ مِنْهُمْ، أَوْ حَكَمَ بِقَوْلِ الْمُفْتِي حَاكِمٌ. ب - أَنْ يُفْتِيَهُ بِقَوْلٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ، لِعَدَمِ جَوَازِ مُخَالَفَةِ الْإِجْمَاعِ.
ج - أَنْ يَكُونَ الَّذِي أَفْتَاهُ هُوَ الْأَعْلَمُ الْأَوْثَقُ.
د - إذَا اسْتَفْتَى الْمُتَنَازِعَانِ فِي حَقٍّ فَقِيهًا، وَالْتَزَمَا الْعَمَلَ بِفُتْيَاهُ، فَيَجِبُ عَلَيْهِمَا الْعَمَلُ بِمَا أَفْتَاهُمَا. فَلَوْ ارْتَفَعَا إلَى قَاضٍ بَعْدَ ذَلِكَ فَحَكَمَ بَيْنَهُمَا بِغَيْرِ مَا أَفْتَاهُمَا بِهِ الْفَقِيهُ لَزِمَهُمَا فُتْيَا الْفَقِيهِ فِي الْبَاطِنِ، وَحُكْمُ الْحَاكِمِ فِي الظَّاهِرِ، قَالَهُ السَّمْعَانِيُّ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُمَا حُكْمُ الْحَاكِمِ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ.
هـ - إذَا اسْتَفْتَى فَقِيهًا فَأَفْتَاهُ فَعَمِلَ بِفَتْوَاهُ لَزِمَهُ ذَلِكَ، فَلَوْ اسْتَفْتَى آخَرَ فَأَفْتَاهُ بِغَيْرِ فَتْوَى الْأَوَّلِ لَمْ يَجُزْ الرُّجُوعُ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ، نَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ الْهِنْدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ.
حُكْمُ الْمُسْتَفْتِي إنْ لَمْ يَطْمَئِنَّ قَلْبُهُ إلَى الْفُتْيَا:
48 -قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: الْمُسْتَفْتِي لَا تُخَلِّصُهُ فَتْوَى الْمُفْتِي مِنْ اللَّهِ إذَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ الْأَمْرَ فِي الْبَاطِنِ بِخِلَافِ مَا أَفْتَاهُ، كَمَا لَا يَنْفَعُهُ قَضَاءُ الْقَاضِي بِذَلِكَ، لِحَدِيثِ: {مَنْ قَضَيْت لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ فَلَا يَاخُذْهَا} ، وَالْمُفْتِي وَالْقَاضِي فِي هَذَا سَوَاءٌ، وَلَا يَظُنُّ الْمُسْتَفْتِي أَنَّ مُجَرَّدَ فَتْوَى الْفَقِيهِ تُبِيحُ لَهُ مَا سَأَلَ عَنْهُ، سَوَاءٌ تَرَدَّدَ أَوْ حَاكَ فِي صَدْرِهِ، لِعِلْمِهِ بِالْحَالِ فِي الْبَاطِنِ، أَوْ لِشَكِّهِ فِيهِ، أَوْ لِجَهْلِهِ بِهِ، أَوْ لِعِلْمِهِ بِجَهْلِ الْمُفْتِي، أَوْ بِمُحَابَاتِهِ لَهُ فِي فَتْوَاهُ، أَوْ لِأَنَّهُ مَعْرُوفٌ بِالْفَتْوَى بِالْحِيَلِ وَالرُّخَصِ الْمُخَالِفَةِ لِلسُّنَّةِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْبَابِ الْمَانِعَةِ مِنْ الثِّقَةِ بِفَتْوَاهُ وَسُكُونِ النَّفْسِ إلَيْهَا، فَإِنْ كَانَ عَدَمُ الثِّقَةِ وَالطُّمَانِينَةِ، لِأَجْلِ الْمُفْتِي يَسْأَلُ ثَانِيًا وَثَالِثًا حَتَّى تَحْصُلَ لَهُ الطُّمَانِينَةُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا، وَالْوَاجِبُ تَقْوَى اللَّهِ بِحَسَبِ الِاسْتِطَاعَةِ. ا هـ.