فهرس الكتاب

الصفحة 242 من 537

أَنَّ كُلَّ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ كَالْمُجْمِعِينَ عَلَى اسْتِثْنَاءِ السُّلْطَانِ لِلْآثَارِ الْوَارِدَةِ بِالْأَمْرِ بِالصَّبْرِ عَلَى جَوْرِهِ وَتَرْكِ الْقِيَامِ عَلَيْهِ انْتَهَى وَيَدُلُّ عَلَى عَدَمِ لُزُومِ الْقَوَدِ وَالدِّيَةِ فِي قَتْلِ مَنْ كَانَ عَلَى الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ مَا ذَكَرنَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحَمَلَ الْأَوْزَاعِيُّ أَحَادِيثَ الْبَابِ عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي لِلنَّاسِ فِيهَا إمَامٌ وَأَمَّا حَالَةُ الْفُرْقَةِ وَالِاخْتِلَافِ فَلِيَسْتَسْلِمْ الْمَبْغِيُّ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ وَلَا يُقَاتِلْ أَحَدًا قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَيَرُدُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، يَعْنِي: حَدِيثَ الْبَابِ، وَأَحَادِيثُ الْبَابِ مُصَرِّحَةٌ بِأَنَّ الْمَقْتُولَ دُونَ مَالِهِ وَنَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَدِينِهِ شَهِيدٌ، وَمُقَاتِلُهُ إذَا قُتِلَ فِي النَّارِ، لِأَنَّ الْأَوَّلَ مُحِقٌّ وَالثَّانِي مُبْطِلٌ قَوْلُهُ: (دُونَ مَالِهِ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: دُونَ فِي أَصْلِهَا ظَرْفُ مَكَان بِمَعْنَى تَحْتُ، وَتُسْتَعْمَلُ لِلْخَلْفِيَّةِ عَلَى الْمَجَازِ وَوَجْهُهُ أَنَّ الَّذِي يُقَاتِلُ عَنْ مَالِهِ غَالِبًا إنَّمَا يَجْعَلُهُ خَلْفَهُ أَوْ تَحْتَهُ ثُمَّ يُقَاتِلُ عَلَيْهِ ا هـ، وَلَكِنَّهُ يُشْكِلُ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ"دُونَ دِينِهِ دُونَ دَمِهِ"

وفي الموسوعة الفقهية:

دَفْعُ الصَّائِلِ عَلَى النَّفْسِ وَمَا دُونَهَا:

5 -اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ دَفْعِ الصَّائِلِ عَلَى النَّفْسِ وَمَا دُونَهَا. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ - وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ - إلَى وُجُوبِ دَفْعِ الصَّائِلِ عَلَى النَّفْسِ وَمَا دُونَهَا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الصَّائِلُ كَافِرًا أَوْ مُسْلِمًا، عَاقِلًا أَوْ مَجْنُونًا، بَالِغًا أَوْ صَغِيرًا، مَعْصُومَ الدَّمِ أَوْ غَيْرَ مَعْصُومِ الدَّمِ، آدَمِيًّا أَوْ غَيْرَهُ. وَاسْتَدَلَّ أَصْحَابُ هَذَا الرَّايِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} فَالِاسْتِسْلَامُ لِلصَّائِلِ إلْقَاءٌ بِالنَّفْسِ لِلتَّهْلُكَةِ، لِذَا كَانَ الدِّفَاعُ عَنْهَا وَاجِبًا. وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ} وَلِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: {مَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ} وَقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: {مَنْ أَشَارَ بِحَدِيدَةٍ إلَى أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ - يُرِيدُ قَتْلَهُ - فَقَدْ وَجَبَ دَمُهُ} . وَلِأَنَّهُ كَمَا يَحْرُمُ عَلَى الْمَصُولِ عَلَيْهِ قَتْلُ نَفْسِهِ، يَحْرُمُ عَلَيْهِ إبَاحَةُ قَتْلِهَا، وَلِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى إحْيَاءِ نَفْسِهِ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ فِعْلُ ذَلِكَ، كَالْمُضْطَرِّ لِأَكْلِ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إلَى أَنَّهُ إنْ كَانَ الصَّائِلُ كَافِرًا، وَالْمَصُولُ عَلَيْهِ مُسْلِمًا وَجَبَ الدِّفَاعُ سَوَاءٌ كَانَ هَذَا الْكَافِرُ مَعْصُومًا أَوْ غَيْرَ مَعْصُومٍ، إذْ غَيْرُ الْمَعْصُومِ لَا حُرْمَةَ لَهُ، وَالْمَعْصُومُ بَطَلَتْ حُرْمَتُهُ بِصِيَالِهِ، وَلِأَنَّ الِاسْتِسْلَامَ لِلْكَافِرِ ذُلٌّ فِي الدِّينِ، وَفِي حُكْمِهِ كُلُّ مَهْدُورِ الدَّمِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، كَالزَّانِي الْمُحْصَنِ، وَمَنْ تَحَتَّمَ قَتْلُهُ فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْجِنَايَاتِ. كَمَا يَجِبُ دَفْعُ الْبَهِيمَةِ الصَّائِلَةِ، لِأَنَّهَا تُذْبَحُ لِاسْتِبْقَاءِ الْآدَمِيِّ، فَلَا وَجْهَ لِلِاسْتِسْلَامِ لَهَا، مِثْلُهَا مَا لَوْ سَقَطَتْ جَرَّةٌ وَنَحْوُهَا عَلَى إنْسَانٍ وَلَمْ تَنْدَفِعْ عَنْهُ إلَّا بِكَسْرِهَا. أَمَّا إنْ كَانَ الصَّائِلُ مُسْلِمًا غَيْرَ مَهْدُورِ الدَّمِ فَلَا يَجِبُ دَفْعُهُ فِي الْأَظْهَرِ، بَلْ يَجُوزُ الِاسْتِسْلَامُ لَهُ، سَوَاءٌ كَانَ الصَّائِلُ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا، وَسَوَاءٌ أَمْكَنَ دَفْعُهُ بِغَيْرِ قَتْلِهِ أَوْ لَمْ يُمْكِنْ، بَلْ قَالَ بَعْضُهُمْ: يُسَنُّ الِاسْتِسْلَامُ لَهُ {لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: كُنْ كَابْنِ آدَمَ} يَعْنِي هَابِيلَ - وَلِمَا وَرَدَ عَنْ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: خَرَجْت بِسِلَاحِي لَيَالِيَ الْفِتْنَةِ، فَاسْتَقْبَلَنِي أَبُو بَكْرَةَ فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْت: أُرِيدُ نُصْرَةَ ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: {إذَا تَوَاجَهَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَكِلَاهُمَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ. قِيلَ: فَهَذَا الْقَاتِلُ، فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: إنَّهُ أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبِهِ} وَلِأَنَّ عُثْمَانَ رضي الله عنه تَرَكَ الْقِتَالَ مَعَ إمْكَانِهِ، وَمَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ نَفْسَهُ، وَمَنَعَ حُرَّاسَهُ مِنْ الدِّفَاعِ عَنْهُ - وَكَانُوا أَرْبَعَمِائَةٍ يَوْمَ الدَّارِ - وَقَالَ: مَنْ أَلْقَى سِلَاحَهُ فَهُوَ حُرٌّ، وَاشْتُهِرَ ذَلِكَ فِي الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ. وَمُقَابِلُ الْأَظْهَرِ - عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - أَنَّهُ يَجِبُ دَفْعُ الصَّائِلِ مُطْلَقًا، أَيْ سَوَاءٌ كَانَ كَافِرًا أَوْ مُسْلِمًا، مَعْصُومَ الدَّمِ أَوْ غَيْرَ مَعْصُومِ الدَّمِ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت