يُوجَدْ غَيْرُهُ. حُكْمُ الْإِشْهَادِ: 30 - فَرَّقَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الْإِشْهَادِ عَلَى الْعُقُودِ بَيْنَ عُقُودِ النِّكَاحِ وَغَيْرِهَا: فَذَهَبَ جُمْهُورُهُمْ إلَى أَنَّ الْإِشْهَادَ عَلَى عَقْدِ النِّكَاحِ وَاجِبٌ وَشَرْطٌ فِي صِحَّتِهِ، لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: {لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ} . وَذَهَبَ مَالِكٌ إلَى أَنَّ الْإِشْهَادَ غَيْرُ وَاجِبٍ إذَا تَمَّ الْإِعْلَانُ. أَمَّا عُقُودُ الْبُيُوعِ، فَقَدْ ذَهَبَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، وَابْنُ عُمَرَ، وَالضَّحَّاكُ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَمُجَاهِدٌ إلَى أَنَّ الْإِشْهَادَ وَاجِبٌ. قَالَ عَطَاءٌ: أَشْهِدْ إذَا بِعْت وَإِذَا اشْتَرَيْت بِدِرْهَمٍ أَوْ نِصْفِ دِرْهَمٍ أَوْ ثُلُثِ دِرْهَمٍ أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: {وَأَشْهِدُوا إذَا تَبَايَعْتُمْ} . وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُفَسِّرِينَ، إلَى أَنَّ الْأَمْرَ فِي قوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا إذَا تَبَايَعْتُمْ} لِلنَّدْبِ وَلَيْسَ لِلْوُجُوبِ، لِوُرُودِ الْآيَةِ الَّتِي بَعْدَهَا وَهِيَ قَوْلُهُ: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اُؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} . فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ فِيهَا مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ. وَلِمَا وَرَدَ عَنْ جَابِرٍ: أَنَّهُ بَاعَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم جَمَلَهُ وَاسْتَثْنَى ظَهْرَهُ إلَى الْمَدِينَةِ. فَدَلَّ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَمْ يُشْهِدْ. وَقَدْ بَاعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَأَشْهَدَ، وَبَاعَ فِي أَحْيَانٍ أُخْرَى وَاشْتَرَى، وَرَهَنَ دِرْعَهُ عِنْدَ يَهُودِيٍّ، وَلَمْ يُشْهِدْ. وَلَوْ كَانَ الْإِشْهَادُ أَمْرًا وَاجِبًا لَوَجَبَ مَعَ الرَّهْنِ لِخَوْفِ الْمُنَازَعَةِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (وَالْوُجُوبُ فِي ذَلِكَ قَلِقٌ، أَمَّا فِي الدَّقَائِقِ فَصَعْبٌ شَاقٌّ، وَأَمَّا مَا كَثُرَ فَرُبَّمَا يَقْصِدُ التَّاجِرُ الِاسْتِئْلَافَ بِتَرْكِ الْإِشْهَادِ، وَقَدْ يَكُونُ عَادَةً فِي بَعْضِ الْبِلَادِ، وَقَدْ يُسْتَحَى مِنْ الْعَالِمِ وَالرَّجُلِ الْكَبِيرِ الْمُوَقَّرِ فَلَا يُشْهِدُ عَلَيْهِ، فَيَدْخُلُ ذَلِكَ كُلُّهُ فِي الِائْتِمَانِ، وَيَبْقَى الْأَمْرُ بِالْإِشْهَادِ نَدْبًا لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ فِي الْأَغْلَبِ مَا لَمْ يَقَعْ عُذْرٌ يَمْنَعُ مِنْهُ)
38 -الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ عَقْدُ النِّكَاحِ إلَّا بِإِشْهَادٍ عَلَى الْعَقْدِ، لِقَوْلِهِ {صلى الله عليه وسلم: لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ} . وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَالْحَسَنِ وَالنَّخَعِيِّ وَقَتَادَةَ وَالثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ. وَالْمَعْنَى فِيهِ صِيَانَةُ الْأَنْكِحَةِ عَنْ الْجُحُودِ، وَالِاحْتِيَاطِ لِلْأَبْضَاعِ. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ الْإِشْهَادُ عَلَى الْعَقْدِ مُسْتَحَبٌّ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ الْإِشْهَادُ عِنْدَ الدُّخُولِ، فَإِنْ أَشْهَدَا قَبْلَ الدُّخُولِ صَحَّ النِّكَاحُ مَا لَمْ يَقْصِدَا الِاسْتِسْرَارَ بِالْعَقْدِ. فَإِنْ قَصَدَاهُ لَمْ يُقِرَّا عَلَى النِّكَاحِ عَلَيْهِ، لِنَهْيِهِ عليه الصلاة والسلام عَنْ نِكَاحِ السِّرِّ، وَيُؤْمَرُ أَنْ يُطَلِّقَهَا طَلْقَةً وَإِنْ طَالَ الزَّمَانُ، ثُمَّ يَسْتَانِفُ الْعَقْدَ. وَإِنْ دَخَلَا بِلَا إشْهَادٍ فُسِخَ النِّكَاحُ كَذَلِكَ، وَحُدَّا فِي الْحَالَتَيْنِ، مَا لَمْ يَكُنْ النِّكَاحُ فَاشِيًّا. وَهُنَاكَ شُرُوطٌ وَتَفْصِيلَاتٌ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْإِشْهَادِ فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ، يُرْجَعُ إلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ (نِكَاحٌ) .
تَزْوِيجُ الْمَرْأَةِ نَفْسَهَا:
4 -الْمَرْأَةُ الْبَالِغَةُ الْعَاقِلَةُ الْحُرَّةُ الرَّشِيدَةُ لَا يَجُوزُ لَهَا تَزْوِيجُ نَفْسِهَا، بِمَعْنَى أَنَّهَا لَا تُبَاشِرُ الْعَقْدَ بِنَفْسِهَا، وَإِنَّمَا يُبَاشِرُهُ الْوَلِيُّ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، لِحَدِيثِ {لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ} وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: {أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا، فَإِنْ تَشَاجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ} وَلِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم {لَا تُنْكِحُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ، وَلَا تُنْكِحُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا} . وَلَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تُزَوِّجَ غَيْرَهَا، سَوَاءٌ أَكَانَتْ الْمَرْأَةُ بِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا. وَقَالُوا: الْبِكْرُ يُجْبِرُهَا الْوَلِيُّ عَلَى النِّكَاحِ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ إذْنُهَا. أَمَّا الثَّيِّبُ إنْ كَانَتْ صَغِيرَةً فَلَا يَجُوزُ تَزْوِيجُهَا حَتَّى تَبْلُغَ، وَتُسْتَاذَنَ. وَذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. وَفِي وَجْهٍ عِنْدَ